ختمت مصر عام 2009 مثلما بدأته على وقع هجمة سياسية – إعلامية ضد سياستها تجاه قطاع غزة. كان فتح معبر رفح هو محور هجمة مطلع العام خلال العدوان الإسرائيلي على القطاع. وصارت الإنشاءات الهندسية التي تقوم ببنائها تحت أرض حدودها مع غزة لمنع حفر الأنفاق هي محور الهجمة في نهاية 2009 وبداية 2010. والاتهام الموجه ضد مصر في الحالتين هو أنها تشارك في حصار تفرضه إسرائيل على أكثر من مليون ونصف المليون من البشر في قطاع غزة. ورغم أنه اتهام ظالم، لم تستطع السياسة الخارجية المصرية تفنيده على نحو يضع حداً لشيوعه لسببين: أولهما عدم سلامة تقدير الموقف في بعض الأحيان، وغياب التخطيط الاستراتيجي الذي يفيد في توقع ما سيحدث والإعداد للتعامل معه ووضع سيناريوهات للتحرك. أما السبب الثاني فهو نوع الخطاب الرسمي المصري بشأن قطاع غزة الذي تحول إلى قضية قائمة بذاتها، وليس مجرد جزء من قضية فلسطين، منذ أن سيطرت حركة "حماس" عليه في يونيو 2007. فمشكلة هذا الخطاب أنه ينطلق من اعتقاد بأن موقف مصر تجاه قضية فلسطين واضح بما يكفي. لذلك فهو لا يوضح الكثير مما يحتاج إلى توضيح في لحظة اختلطت فيها الأوراق، واختلفت المعايير وربما اختلّت أيضا. لذلك تبدو مصر الآن، مثلما كانت في مطلع العام المنصرم، غير قادرة على إقناع الكثير بأن سياستها تجاه قطاع غزة تهدف إلى الجمع بين حماية أمنها القومي ودعم قضية فلسطين ومساعدة أبناء هذا القطاع في آن معاً. وبات سهلاً اتهام مصر في الحد الأدنى بأنها وضعت خلافها مع حركة "حماس" فوق مصلحة الشعب الفلسطيني، وفي الحد الأقصى بأنها إما متواطئة مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو خاضعة لضغوطهما عليها. وحتى عبارة "الجدار الفولاذي" التي تشير إلى البناء الذي شرعت فيه مصر تحت الأرض صارت شائعة رغم عدم دقتها لأن الجدران تكون فوق الأرض وليس تحتها. فما تقوم به مصر هو نوع من الإنشاءات تحت الأرض على الحدود مع قطاع غزة، وخصوصاً في المنطقة المحاذية لممر فيلادلفيا. ومع ذلك لم تنتبه القاهرة منذ البداية إلى خطر تسمية هذه الإنشاءات جداراً في محاولة للإيحاء بأنها تتعاطى مع أهل غزة مثلما تتعامل إسرائيل مع أهل الضفة الغربية. وكان في إمكان السياسة الخارجية المصرية أن تبادر، منذ اتخاذ قرار بناء الإنشاءات قبل أسابيع قليلة، بإعلان ما تنوى إنجازه بوضوح وشفافية. وكان في استطاعتها أن تقنع معظم العرب والمسلمين بسلامة موقفها إذا بادرت بذلك، وأوضحت أن الأنفاق التي تريد منعها تعمل في الاتجاهين وليس فقط في اتجاه واحد، وأنها تنقل إلى مصر خطراً كبيراً على أمنها. وكان ممكنا أن يتضمن مثل هذا الإعلان بياناً يتضمن وقائع ضبط متفجرات وأحزمة ناسفة تم تهريبها عبر الأنفاق، والقبض على عدد من المتسللين، ليس فقط منذ يونيو 2007 ولكن أيضا قبل ذلك. ولم يكن استخدام بعض عناصر خلية "حزب الله" التي تم الإعلان عن ضبطها في العام الماضي هو آخر هذه الوقائع. فبعدها تم ضبط فلسطيني ومصري من عناصر تنظيم "سلفي جهادي" في قطاع غزة يدعى "كتائب التوحيد والجهاد" بعد تسللهما عبر أحد الأنفاق، وتزامن ذلك مع ضبط بلجيكي من أصل تونسي تسلل أيضا بتكليف من تنظيم آخر في القطاع يحمل اسم "جيش الإسلام الفلسطيني". وتعرف قيادة "حماس" هذين التنظيمين، وهي نفسها تعتبر تنامي حركات "السلفية الجهادية" في القطاع خطراً عليها. لكن ما حدث هو أن مصر شرعت في بناء الإنشاءات دون أن تنبس ببنت شفة، الأمر الذي أتاح فرصة لاستغلال الأمر في شن هجمة جديدة عليها. فقد تركت مصر الإعلان عن ذلك للإعلام الإسرائيلي، بدءاً بصحيفة "هآرتس" في 9 ديسمبر الماضي. وعندما أصبح الخبر متكرراً، بدا خطاب السياسة الخارجية المصرية مرتبكاً بين غموض غير بناَّء وتناقض غير لائق بمكانة دولة كبيرة في منطقتها! بدا هذا الخطاب في البداية ساعياً إلى إنكار غير مباشر لم يلبث أن حل محله غموض غير مبرر عبر كلام عام عن حق مصر في اتخاذ إجراءات داخل حدودها لحماية أمنها، ومسؤوليتها عن تأمين شعبها. وكل ذلك دون التطرق إلى الموضوع، إلى أن أكد نائب وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان أن مصر تبني ساتراً تحت الأرض على حدودها مع قطاع غزة. وعندئذ أصبح الوقت متأخراً لإصدار إعلان مصري رسمي يضع النقاط على الحروف. فكان أن تُرك الأمر للإعلام الرسمي للرد على الاتهام بطريقة بدت كما لو أنها تبرير لجرم وليس دفعاً لشبهة. ومع ذلك، مازال في إمكان السياسة الخارجية المصرية أن تعيد الأمور إلى نصابها بدرجة أو بأخرى لو أن منفذي هذه السياسة حققوا التوازن الضروري فيها عبر نوعين من الإجراءات: أولهما المبادرة بتحديد موعد ثابت لفتح معبر رفح الذي تفتحه مصر الآن في أوقات مختلفة وغير محددة. فلو أنها قررت -مثلاً- أن معبر رفح سيُفتح يومين محددين من كل أسبوع، بدلاً من فتحه لأيام عدة من وقت لآخر، بالتزامن مع إعلان خطتها بشأن الإنشاءات الهادفة إلى منع حفر الأنفاق، لأغلقت الطريق على من يسعون إلى حشرها في زاوية ضيقة. أما النوع الثاني من الإجراءات فهو السماح للوفود والقوافل الراغبة في زيارة قطاع غزة بالتوجه إليه، بل مساعدتها في ذلك، واعتماد سياسة واضحة وحاسمة في هذا المجال بغض النظر عن أي رد فعل إسرائيلي، بدلاً من الارتباك الذي تُصاب به كلما طلب أحدٌ الوصول إلى القطاع. ولو أنها أبدت مرونة أكبر في التعامل مع قافلة المساعدات الإنسانية (شريان الحياة -3)، ومع ناشطي السلام الأوروبيين الذين تدفقوا عليها دون ترتيب مسبق في الذكرى السنوية الأولى للعدوان الإسرائيلي، لكانت اليوم في موقف أقوى كثيراً، ولوضعت صانعي الهجمة ضدها والمحرضين عليها في وضع أضعف. غير أن الوقت لم يفت بعد لاستدراك ما حدث وبلورة سياسة أكثر وضوحاً تجاه قطاع غزة قبل أن يتحول إلى "عقدة" لمصر على نحو يلحق الأذى بها ويفاقم معاناة أهله الذين لا ذنب لهم في كل ما يحدث.