مع بداية 2010 امتلأت أجهزة الإعلام كما يحدث كل عام بالتكهنات عما قد يأتي به العام الجديد، ولكن عام 2010 يختلف عن سابقيه في أنه ليس فقط عاما جديدا، بل بداية العقد الثاني من القرن الـ21، والسؤال المهم هل نكتفي بانتظار وأكرر انتظار - أحداث العام أو العقد الجديد، أم أن نكون أكثر إيجابية في تفكيرنا ونخطط - بدلاً من الانتظار - لأحداث العام أو العقد الجديد؟ ألا يخطط كل شاب للزواج في عام أو ثلاثة أو عشرة أعوام؟ ألا نخطط لتعليم أولادنا؟ ألا تدرب فرق الكرة لنيل الفوز؟ هل نستطيع نقل هذا التفكير الإيجابي لمستوى المجتمع بدلاً من انتظار العام أو العقد؟ كان العقد الأول إيجابياً على مستوى العالم، مع انتهاء الحرب الباردة وميزان الرعب النووي بين الكتلتين ليحل محلهما انفتاح المجتمعات مع تكنولوجيا الاتصالات وزيادة وتيرة العولمة، أما في منطقتنا العربية، فقد أدت نهاية الحرب الباردة إلى انفراد القطب الأوحد الأميركي بالسيطرة على المنطقة في غياب البديل السوفييتي، هذا في الوقت الذي كان العرب لايزالون يُضمدون جراحهم من الحرب الأهلية العربية جراء غزو عراق صدام للكويت، ثم جاء عام 2001 بهجوم مجموعة بن لادن على برجي نيويورك والبنتاجون في واشنطن، وهياج النمر الأميركي المجروح ليقوم بعسكرة العلاقات الدولية، ويضع بند محاربة الإرهاب على أولويات الأجندة العالمية، مع الربط بين الإرهاب وإسلام البعض، ولكن في الخيال الشعبي أصبح كل المسلمين تقريباً محل شبهة وتوجس، حتى إذا لم يتنقلوا بين المطارات، فكانت هناك دعوات لتعديل نظم التعليم في البلاد العربية بحيث تؤكد مثلاً على قيم مختلفة عما يدرسه معظم بناتنا وأبنائنا في المدارس، كان من الطبيعي إذن أن يشعر كثير من العرب والمسلمين أنهم محاصرون معنوياً وأن العالم يشير إليهم بإصبعه. ثم جاء غزو العراق بعد أقل من عامين من هجوم سبتمبر الإرهابي، وأصبح الجيش الأميركي على حدود سوريا والسعودية، وأصبح العراق ساحة حرب أهلية بين الطوائف، وحتى مؤتمرات القمة العربية السبعة خلال هذا العقد لم تنجح في منع غزو العراق ثم "طوأفته" وتدميره. كما استمرت المواجهات العسكرية في الساحة العربية - الإسرائيلية كما هو متوقع وكما تعودنا، أثناء حياة عرفات ثم بعد محاصرة مقره ثم وفاته، ولكن هذا العقد الأول شهد نوعية جديدة من الحرب في هذه الساحة: ليست بين الدول - مصر أو سوريا أو لبنان مثلاً في مواجهة إسرائيل - ولكن من جماعات حكومية ولكن لا تتعرف باسم الدولة، ففي سنة 2006، كانت حرب إسرائيل ضد "حزب الله" وقواعده في جنوب لبنان، كان "حزب الله" بالطبع ممثلاً في الحكومة، ولكنه ليس الحكومة اللبنانية، بل حتى حزب أقلية، أما حرب إسرائيل ضد غزة في 2008 - يناير 2009، فكانت تستهدف "حماس"، وهي ليست فقط تختلف عن السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة، بل هي في الواقع في حرب أهلية معها. قد تكون هناك بعض الظواهر الإيجابية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، مثل ارتفاع أسعار البترول وما يترتب عليه من زيادة الدخل القومي، ارتفاع معدلات النمو وزيادة الطلب على العمالة، ولكن العقد انتهى في 2009 بأزمة مالية عالمية أدت إلى انهيار أسعار برميل البترول بأكثر من الثلثين وتداعيات مثل هذه الصدمة المفاجئة على اقتصاديات الدول، حتى التي لا تعتمد مباشرة على تصدير البترول، ومع إن اقتصادات مزدهرة لم تستطع حماية نفسها من هزة الأزمة المالية العالمية، إلا أن العودة إلى الارتفاع في أسعار البترول وسيطرة الاقتصاد الأميركي على بعض أسباب الأزمة جعل الكثيرين يشعرون بالتفاؤل مع نهاية هذا العقد الأول. هل نستمر في التفاؤل وكيف سيكون العقد القادم، بخاصة لمنطقتنا؟ عند مواجهة مثل هذا السؤال، أتذكر مقابلتين بالذات مع دكتور بطرس غالي، أولهما كانت في القاهرة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي عندما كان وزير دولة للشؤون الخارجية في مصر، وجاء في حديثنا الكلام عن مشروع لاستشراف المستقبل العربي لمدة ربع قرن، أي حتى 2005، وكان المشروع قد بدأ بالفعل، نظر إليّ د. بطرس بتمعن وبابتسامة خفيفة ثم قال: "والنبي إنتم ناس فاضيين، إحنا هنا بنفكر إزاي نحل مشاكل النهاردة وجايز بكرة، وما عندناش وقت للسنة الجاية"، كانت المقابلة الثانية في 1993 وهو أمين عام الأمم المتحدة، جاء الحديث أيضاً عن مستقبل المنطقة العربية والاستشراف، كان تعقيبه هذه المرة مختلفاً جداً: "مشكلتنا في المنطقة العربية ومعظم العالم الثالث يا بهجت إننا ما بنقدرش نبص أبعد من تحت رجلينا"، ما يفصل بين هذين التعليقين المتعارضين هو انتقاله بين بيروقراطية دولة إلى منظمة عالمية. أهمية الاستشراف هو ليس التنبوء بالمستقبل، كما يعتقد الكثيرون، فهذا هو الجانب السطحي، الجانب الأعمق هو التخطيط لهذا المستقبل من أجل توجيهه ومحاولة التحكم فيه، ما نسميه Social Engineering أو الهندسة الاجتماعية، كيف نحمي وحدة اليمن ومنع تكرار ما يحدث حالياً، وطالما أن معظم حكام المنطقة العربية تخطوا ستينيات أو سبعينيات العمر، فكيف نود أن تكون المنطقة في العقد القادم؟ أي كيفية توجيه أحداث المستقبل بما نعتقده خيرنا بدلاً من أن تسقط على رؤوسنا كأنها صواعق من السماء، كيف نود أن يكون إعلامنا أو حالة الطرق والمرور. هل من الممكن مع بداية عقد جديد أن نفتح باب المناقشة عن المستقبل الذي نريده ثم - وهو الأهم - كيفية تحقيقه؟