حسبما أفادت الأنباء، اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي، أثناء زيارته للقاهرة الأسبوع الماضي، أن تستضيف مصر لقاء قمة بينه وبين رئيس السلطة الفلسطينية"محمود عباس" الذي يقال إنه ينظر إلى ذلك الاقتراح على نحو إيجابي كما قيل. ما الذي يمكن أن يخرج به المرء من اقتراح نتنياهو؟ هل يمكن أن يكون ذلك الاقتراح بداية لمفاوضات إسرائيلية ـ فلسطينية جادة؟ ليس هناك شيء أقل احتمالا من ذلك. إذا ما نظرنا لهذه الخطوة من جانب نتنياهو فسوف يتبين لنا أن لها ثلاثة أهداف: الأول: هو عزل وإضعاف "حماس" المكروهة بنفس المقدار - وإن لأسباب مختلفة - من قبل إسرائيل، ومن قبل "فتح" التي يقودها محمود عباس في الضفة الغربية، ومن قبل مصر. فإسرائيل ترى أن تحدي "حماس" المستمر لها لم يعد محتملًا.. وعباس ينظر إلى "حماس" باعتبارها منافسا خطيرا للقيادة الفلسطينية.. أما مصر فترى أن الحركة الإسلامية الفلسطينية، المرتبطة ارتباطا وثيقاً بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، تمثل تهديدا أمنياً لسيناء. وبعض هذه المخاوف، مقرونا بالضغط الذي تمارسه إسرائيل والولايات المتحدة، دفع مصر للانخراط في مشروع لمحاولة منع الفلسطينيين من حفر الأنفاق التي تربط بين قطاع غزة والأراضي المصرية من خلال بناء جدار من الصلب يمتد لمسافة عميقة في الأرض على جانبها من الحدود. والهدف، أو الدافع الثاني الذي يدفع نتنياهو لتقديم اقتراحه هو سرقة الأضواء من "جورج ميتشيل" مبعوث أوباما الخاص للشرق الأوسط، الذي يحاول منذ فترة حث الإسرائيليين والفلسطينيين على مواصلة المفاوضات التي انقطعت بينهما. ومن المؤكد أن نتنياهو لا يرغب في مفاوضات جدية، كما يتبين بوضوح، من خلاله مواصلة سياسته الاستفزازية في بناء المستوطنات. علاوة على ذلك، فإن الفجوة بين آرائه بشأن المفاوضات، وآراء الفلسطينيين واسعة إلى الدرجة التي لا تتيح أي فرصة لإجراء محادثات جدية بين الطرفي بل وقد تفيد في بيان مدى عبثيتها. والشيء الذي تخشاه إسرائيل أكثر من غيره، هو التدخل الدولي لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. فهي تدرك تمام الادارك أن هناك إجماعاً قد تبلور بين الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة على حل الدولتين. لذلك فهي تسعى من خلال الاقتراح الذي قدمه رئيس وزرائها لاستباق أي محاولة من جانب اللاعبين الدوليين لوضع إطار للمفاوضات، أو دعوة الأطراف المعنية لمؤتمر دولي. وهدف نتنياهو من ذلك هو فرض شروطه على الفلسطينيين المهزومين من خلال مباحثات ثنائية تقتصر عليهما وحدهما دون وسيط. وهذه المحاولة من جانب نتنياهو لعقد اجتماع قمة مع عباس هي الثالثة من نوعها. فالطموحات الإسرائيلية المتعلقة بذلك كُشف عنها من قبل بوضوح في مؤتمر نظمته روسيا في أحد الفنادق الأردنية المطلة على البحر الميت، وحضرته شخصيا وكان الهدف من هذا المؤتمر الذي نظمته وكالة "نوفوستي" الروسية للأنباء بالتعاون مع "المجلس الروسي للسياسات الخارجية والدفاعية" هو إبراز طموح موسكو للعب دور أكبر في شؤون الشرق الأوسط. في هذا المؤتمر، كان من بين النجوم البارزة في الجانب الروسي "يفجيني بريماكوف" رئيس الوزراء الروسي السابق، والمحلل السياسي البارز المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، و"اليكسندر سلطانوف" الذي شغل منصب نائب وزير خارجية وكان مسؤولا عن ملف الشرق الأوسط. وكان من أبرز أحداث المؤتمر ذلك الصدام الذي وقع بين الروس من جانب وبين بعض أعضاء الوفد الإسرائيلي من المتشددين. أعرب بريماكوف في هذا المؤتمر عن اعتقاده بأن الموقف المتأزم في الشرق الأوسط يرجع إلى سلبية اللجنة الرباعية المكونة من الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، وعدم اهتمامهم بالانقسامات القائمة بين الفلسطينيين، وإلى نكوص أوباما عن الضغط على إسرائيل، ورغبة الإسرائيليين في المحافظة على الوضع القائم كما هو، على الرغم من أن المحافظة على الوضع القائم أمر لم يعد ممكنا احتماله. وقال بريماكوف إنه من الصعب البدء مجدداً في إجراء محادثات، إلا إذا ما حدث تحول جذري في الموقف الأميركي، وتساءل عن السبب الذي يدعو الولايات المتحدة إلى الضغط على الرئيس الأفغاني للتفاوض مع "طالبان" في الوقت الذي تمنع فيه إجراء أي اتصالات مع حماس؟ والحل الذي اقترحه بريماكوف يقوم على التجميد الكامل للمستوطنات الإسرائيلية، على أن يكون ذلك مدعوما بدور قوي من جانب الولايات المتحدة، ومن جانب "الرباعية" بعد إعادة تنشيط دورها، بحيث يضطلع الطرفان في إطار هذا الدور بصياغة وثيقة إطارية لحل الصراع على أساس الإجماع الدولي. أما "سلطانوف" فقد دعا من جانبه إلى لعب دور أكثر إيجابية من جانب "الرباعية"، وأعرب عن اعتقاده أن الصراع العربي- الإسرائيلي هو السبب الجوهري الذي يؤدي إلى عدم الاستقرار المزمن في المنطقة. وقد تعرض بريماكوف وسلطانوف على الفور إلى هجوم من قبل مشاركين إسرائيليين، اتهموهما بأنهما يحاولان تسويق أفكار سوفييتية عفا عليها الزمن. وادعى المشاركون الإسرائيليون أنه ليس هناك صلة مباشرة بين الصراع العربي- الإسرائيلي، وبين العديد من الصراعات المحتدمة في المنطقة: أفغانستان، وباكستان، واليمن، والسودان. وقال الإسرائيليون أيضاً إن إسرائيل تحمل شكوكاً كبيرة حول الأمم المتحدة وقدرتها، وليس لديها أي ثقة في قدرة القوات الدولية على حمايتها. وأنها لا تريد تدخلًا من طرف ثالث، وأن جميع الاتفاقات التي تم توقيعها مع العرب من قبل تمت من خلال المباحثات الثنائية. وقال أحد الإسرائيليين منفعلاً:"لن ندع روسيا تشارك في المفاوضات طالما ظلت منحازة للعرب"، وتساءل آخر: هل تريدون منا أن نُشرك الروس في المفاوضات وهم الطرف الذي يقوم بتوريد الأسلحة للعرب". وما أشغل غضب الإسرائيليين للذروة ما قاله بريماكوف حول إن روسيا لا تمتلك دليلاً على أن إيران قد اتخذت القرار السياسي بتصنيع سلاح نووي، وأصروا ـ الإسرائيليون ـ على أن إيران يجب ألا تكون أبدا دولة قادرة نوويا لأنها على استعداد لـ"التضحية بالملايين من سكانها من أجل تدمير إسرائيل" كما ذهب إلى ذلك أحد المشاركين. وكان الدرس المهم لذلك المؤتمر أن إسرائيل العنيدة والعدوانية أبعد ما تكون عن قبول أي معادلة يمكن أن يتخيلها العالم من أجل حل الصراع العربي- الإسرائيلي.