مع نهاية العام المنصرم وبداية العام الجديد يحلو للكثيرين اتخاذ قرارات ومنح أنفسهم وعوداً يسعون لتحقيقها خلال العام الجديد. وكثيراً ما يكون هذا القرار أو الوعد هو الإقلاع عن التدخين، وهي الأمنية التي تشهد تزايداً في آمال تحقيقها في ظل تواتر البيانات والإحصائيات التي تظهر مدى فداحة الثمن الذي يدفعه المدخنون من صحتهم وحياتهم جراء هذه العادة الضارة، حيث أظهر تقرير صدر عن منظمة الصحة العالمية بعنوان "وباء التبغ العالمي"، أن التدخين يتسبب في وفاة خمسة ملايين شخص سنوياً، وهو عدد يزيد عن مجمل من يلقون حتفهم جراء فيروس الإيدز، وميكروب السل، وطفيلي الملاريا، وهي الأمراض المعدية الثلاثة الأكثر فتكاً بالبشر، على الإطلاق. ويستطرد التقرير متوقعاً أن رقم الخمسة ملايين وفاة ذلك سيزداد ليصل إلى ثمانية ملايين سنوياً بحلول عام 2030، أو ما يقارب مليار وفاة خلال القرن الحادي والعشرين بسبب تدخين التبغ، إذا ما استمر الوضع الحالي كما هو عليه. وهذا العدد الهائل من الوفيات لن يقع بين المدخنين وحدهم، بل أيضاً سيشمل كثيراً ممن يحيطون بهم، ويعيشون معهم، من خلال التدخين الثانوي، الذي يعتبر مسؤولا عن واحدة من كل ثماني وفيات تقع بسبب التدخين. وهذا ما حدا بالقائمين على تقرير منظمة الصحة العالمية هذا العام للتركيز على نشر الوعي بأهمية توفير بيئة خالية تماماً من دخان التبغ، كوسيلة أساسية لوقف الوفيات بسبب التدخين الثانوي. ويعرف التدخين الثانوي، على أنه دخان التبغ الذي يستنشقه غير المدخنين، في المطاعم، والمقاهي، والمكاتب، أو أي مكان مغلق يشعل فيه مدخن سيجارة، أو غليوناً، أو أرجيلة. ويتأتى الضرر الواقع على غير المدخنين من حقيقة أن ما يستنشقونه من دخان، يحتوي على 4 آلاف مادة كيميائية، من الثابت أن 250 منها تتسبب في أضرار صحية للجسم البشري، ويرتبط أيضاً 50 منها ارتباطاً مباشراً بالأمراض السرطانية، وهي الأضرار التي تنتج عنها في النهاية أكثر من 600 ألف وفاة سنوياً بين غير المدخنين. وغالباً ما تكون هذه الوفيات بسبب أمراض خطيرة في القلب والشرايين، بما في ذلك الشرايين التاجية المغذية لعضلة القلب، أو أمراض تنفسية، أو سرطان الرئتين، الذي يعتبر أكثر أنواع الأمراض الخبيثة تسبباً في وفاة من يصابون به، حيث تنخفض فرص النجاة منه بعد الإصابة بقدر كبير. أما لدى الأطفال، فيتسبب التدخين الثانوي في الحالة المعروفة بوفاة المهد، وخصوصاً بين الأطفال الرضع، وعند الحوامل يتسبب التدخين أيضاً في ولادة أطفال ناقصي الوزن. إن هذا الوضع برمته جعل الإرشادات المرفقة بالبند الثامن من إطار اتفاقية مكافحة التبغ تنص صراحة على أنه لا يوجد (حد آمن) للتعرض لدخان التبغ، وأن خلق بيئة خالية تماماً منه هو السبيل الوحيد لحماية صحة غير المدخنين، فالمطاعم والمقاهي والمكاتب، التي توجد فيها أماكن خاصة للمدخنين فقط، أو التي يعتمد فيها على التهوية للتخلص من دخان التبغ، لا تحقق الحماية الكافية لغير المدخنين من التدخين الثانوي. ومن المعروف أن مكونات دخان التبغ يمكنها الانتشار من أماكن المدخنين إلى أماكن غير المدخنين، حتى ولو كانت هناك أبواب مغلقة وموصدة بين الجانبين، وحتى لو تم توفير تهوية بدرجة كبيرة. وهذا ما يجعل توفير بيئة خالية من دخان التبغ، أي خالية بنسبة مئة في المئة، السبيل الوحيد، والطريق الأكيد لحماية غير المدخنين. غير أن هذا المبدأ لابد وأن يتم تطبيقه داخل المنازل أيضاً، حيث يظهر الواقع أن 40 في المئة من الأطفال يتعرضون للتدخين الثانوي داخل منازلهم، بسبب تدخين أحد أو كلا أبويهم. ولذا نجد أن الأطفال يتحملون في النهاية ثلاثين في المئة من إجمالي الوفيات التي تنتج عن التدخين الثانوي، أو ما يقارب 200 ألف وفاة سنوياً، على أساس أن مجمل وفيات التدخين الثانوي تزيد عن 600 ألف. ولا يقتصر الضرر على الأطفال من التدخين داخل المنزل على أضرار التدخين الثانوي فقط، بل يمتد أيضاً للمراحل اللاحقة من حياتهم، من خلال جعلهم هم كذلك مدخنين بالتبعية. فالدراسات تظهر أن الطفل الذي نشأ في بيت يدخن فيه أحد الأبوين أو كلاهما، تزداد احتمالات تحوله هو الآخر إلى مدخن لاحقاً، وبمقدار الضعف، مقارنة بأقرانه الذين نشأوا في بيوت خالية من المدخنين. وبخلاف الثمن الإنساني، يتسبب التدخين الثانوي، مثله في ذلك مثل التدخين المباشر، في تكلفة اقتصادية هائلة، يتحملها الفرد، وأسرته، والمجتمع برمته. فمن مجمل التكلفة الاقتصادية والمالية الناتجة عن استخدام التبغ بجميع أشكاله، نجد أن عشرة في المئة من هذه التكلفة تنتج من تبعات التعرض للتدخين الثانوي. وهذه التكلفة تتجسد بشكل مباشر في نفقات علاج الأمراض الناتجة عن التعرض لدخان التبغ، وبشكل غير مباشر من خلال انخفاض الإنتاجية، وفقدان الدخل، إما بسبب المرض ومضاعفاته، أو بسبب الوفاة المبكرة وفقدان معيل الأسرة. وتجنب هذا الثمن الإنساني، وخفض تلك الكلفة الاقتصادية، لن يتأتيا -على الأقل في حالة المدخنين الثانويين- إلا من خلال توفير بيئة خالية تماماً من التبغ ودخانه، وهي الحقيقة التي أكدها تقرير مكافحة التبغ لهذا العام، ونتج عنها تزايد صدور التشريعات والقوانين في مختلف الدول، لمنع وحظر التدخين داخل الأماكن العامة والمغلقة.