على عكس المقولة التي أوردها الكاتب المعروف "روبرت كاجان" في أحد كتبه وزعم فيها أن الأميركيين أصلهم من "المريخ"، وأن الأوروبيين أصلهم من "الزهرة"، يرى "بيتر بالدوين" مؤلف كتاب "نرجسية الخلافات الصغرى: كيف تتشابه أميركا وأوروبا"، أن الأميركيين لا يختلفون عن الأوروبيين، بل هم أقرب لبعض الشعوب الأوروبية من شعوب أوروبية أخرى. وهذا الاكتشاف قد يكون صادما لبعض من كانوا يعتقدون بعكس ذلك، رغم أن تعدد الدلائل التي كانت ترجح وجهة نظر "كاجان" ومنها مثلا ما تكشف عنه قراءة الخطاب الذي ألقاه الرئيس أوباما بمناسبة تسلمه جائزة نوبل للسلام والذي أثبت فيه أنه رئيس أميركي حتى النخاع. فقد قال "أنه كرئيس أميركي لا يستطيع أن يعمل بنفس الروح التي كانت تعمل بها شخصيات مثل غاندي ومارتر لوثر كنج"، كما قال: "وأنا باعتباري رئيسا أقسم يمين الولاء لبلاده، ملزما باتخاذ كل ما يلزم لحمايتها وخدمة مصالحها ولا أستطيع أن أفعل ذلك من خلال الاقتداء بمثل وقيم تلك الشخصيات العالمية الفذة". والحقيقة كما يقول مؤلف هذا الكتاب أن مثل هذه الكلمات تضع أوباما في موضع لا يبعد كثيراً عن موضع ريجان الذي استخدم مصطلح "إمبراطورية الشر"، ولا بعيدا عن موضع بوش الابن الذي استخدم مصطلح "محور الشر"، وأن الأمر لا يحتاج لذكاء خارق كي يقرأ المرء بين سطور خطاب أوباما، وكي يدرك أن هذه المكافأة من لجنة جائزة نوبل كانت مكافأة تافهة أعطيت لأسباب تافهة، تقوم على قراءة خاطئة لطبيعة الرجل وطبيعة الشعب الذي ينتمي إليه. وفي رأي المؤلف أيضا أن هناك إساءة قراءة للولايات المتحدة وشعبها؛ فهي ليست شعبا موحدا صهرته بوتقة واحدة، وإنما هي دولة كبيرة بحجم قارة تضم خليطا من الفقراء الذين يتظاهرون بأنهم أيسر حالا من باقي فقراء العالم، وطبقة وسطى، تبدو هي الأخرى أفضل حالا من نظيراتها، وطبقة غنية مترفة تعيش في أطر مغلقة ذات بوابات تحتوي على كافة مظاهر الرفاهية والحياة الرغدة. ولتوضيح الصورة أكثر يقرأ المؤلف فيضاً من المعطيات عن أميركا والأميركيين بعضها غير متوقع في الحقيقة، منها مثلا أن الأميركيين أقل حماسا للتجارة الحرة من الأوروبيين خلافاً للاعتقاد الشائع، وأن حماسهم للأسواق يماثل حماس الأوروبيين، وأن العمال الأميركيين يمارسون الإضرابات بنفس المعدل الذي يفعل به الإيطاليون ذلك، لكنهم يحصلون على أجور أعلى بكثير، كما أنهم معرضون للطرد من عملهم بنسبة أعلى من نسبة تعرض الإيطاليين. وفضلا عن ذلك يحصل الأميركيون على عدد من أيام الإجازات والعطلات أقل من الأوروبيين، لكن ذلك لا يؤثر على حالتهم المزاجية العامة، بدليل أن معدل الانتحار في الولايات المتحدة أقل من نظيره في أوروبا، كما أن الضرائب الأميركية أقل من نظيرتها في أوروبا. يستمر المؤلف في المقارنة فيقول إن الرعاية الصحية في الولايات المتحدة ليست جيدة رغم الأموال الهائلة التي تنفق على هذا القطاع، علاوة على أن الأميركيين يعيشون أعمارا أقل من نظرائهم الأوروبيين، كما أن عدد الوفيات بين المواليد في أميركا أكثر منه في أوروبا. من ناحية أخرى يقول المؤلف إن معدل الشفاء من الأمراض السرطانية في الولايات المتحدة أعلى من نظيره في أوروبا، وأن المليارات التي تنفقها الولايات المتحدة على الأبحاث العلمية قد أفادتها وأفادت العالم معها وأوروبا بالطبع. أما معدلات الجريمة فهي أكبر، وخصوصا جرائم القتل. والسجون في أميركا مكتظة أكثر من السجون الأوروبية، كما أن عدد قوات الشرطة فيها مقاسا بعدد السكان أقل منه إيطاليا. أما الجامعات الأميركية فهي أفضل من نظيراتها الأوروبيات، في حين أن مدارسها متوسطة المستوى، وكذلك مكتباتها. وعدد الأميركيين الذين يشاركون في الانتخابات أقل، لكنهم يثقون بحكومتهم أكثر، علاوة على أنهم أكثر ترحيبا بالمهاجرين من الأوروبيين، واستعدادهم للتطوع والعطاء أكثر، وإيمانهم بالله أقوى، رغم أن أعداد الشواذ بينهم وعدد الزيجات المثلية أعلى مما هي عليه في أوروبا. أما فيما يتعلق بالقيم، فرغم الاختلافات القائمة بين أوروبا وأميركا فيما يتعلق بالنظر إلى الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإنه ليس هناك شك في وجود الكثير من القيم المشتركة بينهما. ولعل الأميركيين في سعيهم للتمدد الإمبراطوري لابد أن يكونوا قد أدركوا من خلال التجارب أن إضفاء مظهر ديمقراطي على سياساتهم وتحسين صورتهم في العالم، لن يكون ممكنا إلا من خلال التعاون والتكامل مع أوروبا. سعيد كامل الكتاب: نرجسية الخلافات الصغرى: كيف تتشابه أميركا وأوروبا المؤلف: بيتر بالدوين الناشر: أوكسفورد يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2009