لا جدوى من إصدار بيانات غاضبة وإعلان مواقف صاخبة وتوجيه تهديدات ساذجة رداً على حظر بناء المآذن في سويسرا. ولا فائدة من دعوة أطلقها البعض لكي يسحب أثرياء المسلمين أموالهم وودائعهم من مصارف سويسرية لا بديل عن سريتها المطلقة لمن يريدون إخفاء ما يملكونه. وإذا كانت هذه الدعوة تثير الدهشة لسذاجتها، فلعلها مثيرة للفزع دعوة أخرى إلى إعادة النظر في أوضاع الكنائس في بلاد العالم الإسلامي. وبمنأى عن مثل هذه النزعات الصدامية وما تنطوي عليه من ميل إلى انتقام أعمى لا يخسر من جرائه غيرنا، ربما يكون العمل القانوني والتحرك على المستوى القضائي هما خير رد على حظر المآذن الذي استند الى إجراء دستوري عبر استفتاء استهدف تعديل المادة 72 في الدستور السويسري التي تحكم العلاقات بين الدولة والأديان. وبموجب هذا التعديل، أصبح حظر بناء المآذن نصاً دستورياً يهدف إلى "الحفاظ على السلام بين أفراد المجموعات الدينية المختلفة". وتبدو هذه صياغة فكاهية لإجراء تراجيدي بامتياز على نحو يجعلها شكلاً فريداً من أشكال الكوميديا السوداء، فلا يمكن لمثل هذا التعديل الذي يزعم أنصاره أنه يحافظ على السلام إلا أن يكون وقوداً لحرب دينية إذا جاء الرد عليه انفعالياً غريزياً منفلتاً من العقل والحكمة. ولأن العالم الإسلامي سيكون الخاسر في مثل هذه الحرب، التي لن يربح فيها أحد، يتعين على العقلاء فيه أن يعملوا على توجيه الرد في اتجاه إدارة صراع قانوني قد تكون طريقه طويلة وغير ممهدة، لكنه قد ينتهي بفوز يهزم التعصب في أوروبا. فالمعركة القانونية ضد هذا التعصب صعبة، لكن الفوز فيها ليس مستحيلاً. ويمكن أن تكون الخطوة الأولى في هذه المعركة هي اللجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والطعن أمامها في الاستفتاء الذي أجري على حظر بناء المآذن في سويسرا وأسفر عن موافقة نحو 57 في المائة على هذا الحظر. وبإلامكان الطعن ضد هذا الإجراء شكلاً من زاوية أن الاستفتاء ليس جائزاً في قضايا الحرية الدينية لأنه قد يمثل أبشع انتهاك لحقوق الأقلية ومصادرة لمعتقداتها، كما أنه يتعارض في المضمون مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان. وليست هذه الاتفاقية إلا جزءاً صغيراً في منظومة كاملة تضع الحرية الدينية في مرتبة متقدمة على نحو يبطل أي إجراء يتعارض معها. ولم يكتف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 بتأكيد ضرورة احترام الحرية الدينية، بل شدَّد أيضا على عدم جواز أي عمل تقوم به دولة أو جماعة ويؤدي إلى تقويض الحقوق والحريات الواردة فيه. وفي هذا الاتجاه جاءت المواثيق الأساسية لحقوق الإنسان فعززت مبادئ الحرية الدينية، مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عام 1966، وإعلان الأمم المتحدة لمحو كافة أشكال التعصب والتمييز على أساس الدين أو المعتقد عام 1981. وقد نص هذا الإعلان في مادته الأولى على أن لكل إنسان الحق في حرية التفكير والوجدان والدين، وأن هذا الحق يشمل حرية الإيمان، وحرية إظهار الانتماء لأي دين أو معتقد عن طريق العبادة وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، فرداً أو جماعة، جهراً أو سراً. كما تضمنت هذه المادة أنه لا يجوز تعريض أحد لأي شكل من أشكال القسر للحد من حريته في أن يكون له دين أو معتقد من اختياره، ولا يُسمح بإخضاع حرية الفرد في إظهار دينه أو معتقداته إلا لما يفرضه القانون من حدود تكون ضرورية ولا غنى عنها لحماية الأمن العام أو الأخلاق العامة أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية. ويعني ذلك أن حظر بناء المآذن يضع سويسرا في موضع الدولة غير الملتزمة بالمواثيق والمعاهدات التي تضمن الحرية الدينية، بما في ذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي يصح الاستناد عليها في المقام الأول لأنها المرجعية المباشرة للمحكمة الأوروبية التي يمكن اللجوء إليها. ورغم أن الحكومة السويسرية لا تؤيد حظر بناء المآذن، ولم تكن هي التي قررته أو دعت إلى الاستفتاء عليه، وإنما حزب المعارضة اليمينى وحلفاؤه، فهي تعتبر مسؤولة عن حماية الحرية الدينية لمواطنيها جميعهم وضمان ممارستهم لها. ولما كانت هذه الحكومة قد عبرت عن أسفها لهذا الحظر الذي تلزمها نتائج الاستفتاء بتطبيقه، فلن يكون اختصامها في دعوى قضائية أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سعياً إلى إدانتها بل محاولة لمساعدتها في وضع حد للتعصب الذي تغذيه قوى يمينية متطرفة. ولذلك فثمة مصلحة مشتركة بين المسلمين وكثير من المسيحيين بل اليهود أيضاً في أوروبا لدرء هذا الخطر، على نحو يفرض التحلي بالعقل في معالجة مشكلة بناء المآذن في سويسرا. ولكي نحافظ على هذه المصلحة، وننطلق منها لحماية حرية المسلمين الدينية في أوروبا، ينبغي تجنب التصعيد الذي يستثير عداء فئات لا منطق لمعاداتها، واعتماد المنهج القانوني -القضائي مع العمل على كسب الرأي العام الأوروبي. ولتكن قضية المآذن في سويسرا نقطة بداية جديدة بالنسبة للمسلمين في هذا البلد وخارجه، لأنها قضية واضحة تماماً وتحظى بتعاطف قطاع واسع. فالتمييز فيها بيِّن بخلاف قضية الحجاب في فرنسا مثلاً. ويكمن الفرق في أن حظر بناء المآذن هو إجراء يستهدف رمزاً للإسلام دون غيره من الأديان، في حين أن حظر ارتداء الحجاب في المدارس العامة هو جزء من إجراء أوسع يشمل إبراز الصليب وارتداء الطاقية اليهودية. لذلك يُصَّنف الإجراء الفرنسي ضد بعض الرموز الدينية بأنه تعبير عن علمانية متشددة بخلاف الإجراء السويسري الذي ينطوي على تمييز ديني. ولذلك فلا حجية، هنا، للقول بأن المأذنة ليست جزءاً أساسياً من المسجد، أو أن الجامع في الإسلام وظيفة وليس معماراً. فبمثل هذا المنطق، يمكن تبرير حظر بناء المسجد نفسه بدعوى أن الصلاة في الإسلام جائزة في أي مكان طاهر يصلح للسجود فيه. وأيا يكون الأمر، فإذا كان حظر بناء المآذن في سويسرا محنة، فهو لا يخلو في الوقت نفسه من فرصة؛ لأن التعصب اليميني المتزايد الذي أدى إليه يمثل خطراً على قطاعات واسعة في أوروبا وليس على المسلمين وحدهم.