أي فسطاط نريد بعد جريمة الخبر، نهضة وأمن ورخاء العالم الحر، أم فتنة القاعدة ومن لف لفها ؟
بعيدا في ايرلندا سمعت بجريمة الخبر، فلجأت لـ "سي إن إن" فوجدت أن خبر اتفاق مجلس الحكم العراقي على ترشيح أياد علاوي رئيسا للوزراء قد سبق الخبر الذي يهمني، بقيت في غرفتي بينما كانت شمس ايرلندا النادرة تسطع على حديقة غناء، ولكن وجدت أن الكآبة قد أحاطت بي رغم التفاؤل والحبور اللذين أراهما على وجوه الايرلنديين والسياح الأوروبيين من حولي. فليس هذا المستقبل الذي أتمناه لوطن أحبه وليس هذا الخبر الذي انتظره.
في النشرة التالية وجدت الأمريكيين مشغولين بنقل حي، لتدشين نصب تذكاري يمجد قتلاهم في الحرب العالمية الثانية، وكذلك فعلت المحطات الإخبارية البريطانية والايرلندية، شعرت بضيق أكثر، فلقد تراجعت أخبارنا السيئة إلى الموقع الثاني والثالث حول العالم، فلم تعد العمليات الإرهابية في المملكة بالخبر المهم، فهذا الحادث هو الرابع أو الخامس من نوعه، فهل نجح الإرهابيون في جرنا إلى مستنقعهم الآسن، وضموا مملكة الإسلام والسلام وواحة الأمن والأمان إلى قائمة الدول التي تستعر فيها الفتن فلا ينتبه اليها أحد؟ هذا ما يجب أن نرفضه جميعا ونقاومه.
لم يتقدم الخبر في نشرات الأخبار إلا بعد أن اتضح أن الجريمة تختلف عن سابقاتها، وأنها أكبر حجما وأنها تستهدف أهم مركز لإنتاج النفط في العالم، فعاد الاهتمام ولكن من نافذة سعر ليتر البنزين، وجالون وقود التدفئة في الشتاء، لن يتوقف العالم من أجل ضحايانا، ولن ينشغل بما يمكن أن يحصل عندنا من فتن، إلا بالقدر الذي له علاقة باحتياجاته النفطية. وبالتالي فإن اختياراتنا واضحة، وأمامنا فسطاطان لا ثالث لهما، فسطاط القاعدة وطلبنة السعودية وطرد الأجانب والانغلاق عن العالم، وهجرة من لا يطيقون حياة كهذه، تسودها البطالة والقهر والفتن وإحتراب داخلي بل حتى تدخل أجنبي، وفسطاط دولة سعودية قائمة، تسودها حرية يتمتع بها الجميع باختلاف مذاهبهم ومشاربهم، مشغولة بالتنمية ورفع مستوى دخل الفرد، وتعليم أفضل، وتسامح، ودعوة بالحسنى، وتفاعل وتكامل مع العالم، وحرية سفر وتنقل، مجتمع بدون ضغوط ولا قيود واجتهادات ضيقة، يعيش بالإسلام في وسطيته التي علمها لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في قوله وفعله.
لقد حسمت الدولة بوضوح موقفها حيال مسألة موقع المملكة في العالم، عندما قال خادم الحرمين الشريفين في جلسة افتتاح مجلس الشورى في مثل هذا الوقت من العام الماضي "إن المملكة جزء من العالم ولن تنسلخ عنه" وحسم أمر علاقتنا بالأجانب سمو ولي العهد عندما صرح قبل أيام أن "الأجانب يأتون هنا لخدمة الوطن ونحن الذين دعيناهم" بل إننا سندعو مزيدا منهم، ومصالحنا تقتضي جلب المزيد من الاستثمارات الأجنبية والتوسع في رقعة النشاط الاقتصادي خارج النفط، فمستوى دخل الفرد عندنا الذي نزل إلى أقل من عشرة آلاف دولار في السنة لا يتوافق مع تطلعات الشعب السعودي والرخاء الذي يريده. وبالتالي يجب أن يحسم الجميع أمرهم مع الدولة في مشروعها الإصلاحي والتنموي، حتى لا تبني الدولة وغيرها يهدم فحينها لن يستوي بناء أو مجتمع، بيننا ثقافة لا تحب الأجانب ويجب أن تتوقف، وثقافة ترفض الانفتاح على العالم ويجب أن تختفي، وثقافة لا تزال تجادل فيما إذا كان أصل العلاقة مع الآخر علاقة حرب أم سلام، هذا عبث لا مكان له في دولة المستقبل السعودية.
إنهم حتى لا يعرفون الحقائق، ثم يريدوننا أن ننزل عند حكمهم ورؤيتهم للأمور، قالوا إن إرهابييهم استهدفوا "مواقع شركات أميركية نفطية تابعة لشركة الاحتلال الأميركية (هالبرتون) وهي عبارة عن مجموعة من الشركات المتخصصة في أعمال البترول ومقاولات التنقيب العاملة على نهب وسرقة ثروات المسلمين" والجاهل في أمور النفط يعلم أن ليس لـ"هالبرتون" عمل في المملكة معني بالنفط ابتداء، والكارثة أنهم استهدفوا شركة عربية خالصة هي "ابيكوب" وهي قصة نجاح عربي ومصدر لفخر العرب في مجال النفط برجالها وخبراتها، أما حديثهم عن نهب وسرقة ثروات المسلمين، فإن أمثالهم من المتعصبين في اليمين المتطرف في الولايات المتحدة يتهموننا بسرقة ونهب أموال الأميركيين برفعنا لأسعار النفط، فأي مستقبل لنا مع هؤلاء وأولئك وهم يعيشون في تحالف غير مقدس ضد عالم حر ومسالم؟.
لقد حاصرهم الماضي والغضب والكراهية والتعصب، فلا يعرفون كيف يفكرون، ناهيك أن يناضلوا، فلم نعرف لهم مطلبا إصلاحيا أو تقويميا وإنما جملة لا ينفكوا عن ذكرها وهي اخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأن الحكومة كافرة.
أعود إلى ايرلندا الجميلة، لقد عاشت ماضيا مأساويا اجتمعت عليها طبيعة قاسية واستعمار إنجليزي غشوم، مر عليها خلال القرنين الماضيين 3 مجاعات آخرها قتلت مليون إنسان، ودخلت حرب تحرير مع إنجلترا خسرت 50 ألف مواطن، قسمت إلى بلدين قسرا، وانشغلت بحرب أهلية وأخرى دينية سدت في وجه أبنائها الأسباب فكانت أقصى آمالهم الهجرة إلى أميركا فأصبح فيها أيرلنديون أضعاف ما في الوطن