لا يكاد العربي يفيقُ من صدمة يومه بشأن التفجيرات بالعراق وباكستان، حتّى تأتيه الصدمةُ الأُخرى قبل أن يستجمع أنفاسَهُ. وقد ظلَّ مفكرو الاستعمار ومستشرقوه طوال أكثر من مائتي عامٍ يعتبرون الإسلام والمسلمين مخترعي الحرب الدينية (الجهاد)، ونشهد اليومَ تبلور فكرةٍ جديدةٍ عن غرابة العرب والمسلمين وإجرامهم: إنهم رواد الهجمات الانتحارية! ورغم فظاعة ما أصاب العربَ جميعاً في فلسطين؛ فإنّ ما يُعانيه العراقيون ليس أقلَّ هَولاً وشراسة. وقد كنتُ أرى أنّ سيرورة العملية السياسية، وانحسار الغزو الأميركي، وفناء متطرفي "القاعدة"؛ كُلُّ ذلك كفيلٌ بأن يحقن دماءَ العراقيين أخيراً فلا تظلُّ الجدران والقلوب والعقول والخرائب ملطَّخةً بالدماء. لكنّ الزرقاوي قُتل، والأميركيون ينحسرون وينسحبون، والعملية السياسية تتقدم بثباتٍ؛ ومع ذلك فالدماءَ ما تزالُ تُلطِّخُ الجدران، وتوشكُ أن تعودَ لتلطيخ القلوب وتسويدها. لقد شهد الأُسبوع الماضي في البرلمان العراقي ومن حوله عمليات مفاوضاتٍ وتسْوياتٍ حول قانون الانتخابات تدعو للأمل والإعجاب. فقد كان بوُسْع الكتل الشيعية والكردية الكبيرة مع حلفائها الصغار، أن تردَّ طعن الهاشمي ولا تستجيب لشيء من شروطه. ولو حصل ذلك لأَعرضت كثرةٌ كاثرةٌ من الناخبين في شتّى المناطق ومن السُنّة وغيرهم عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ولو حصل ذلك لكان كثيرون قد قالوا إنّ العنف له تبريراتُهُ في ضوء الحيف الواقع على أكثر من طرف. لكنّ العنف حصل ويحصُلُ للسبب المُعاكس: أنّ البرلمانيين العراقيين أظهروا حرصاً فائقاً على العدل والتسوية. ولأنهم كانوا شديدي الحرص على التوازُن والإنصَاف من أجل وطنهم ودولتهم؛ فإنّ عناصر الشرّ كافأتْهم بالإقدام على قتل وجَرح مئاتٍ من الناس البُسطاء، لا لشي إلاّ لأنّ العراق لا ينبغي أن يستفيق من نكبته وجراحه! وتعالوا نستعرضْ الأعمالَ المجيدة لما يُسمَّى بالمقاومة في العراق، ومن قاومت وتُقاومُ وكيف. فقد أحدثتْ فتنةً بين السنة والشيعة أُهدرتْ في خضمّها نفوسُ عشرات الألوف. ثم إنها ما استطاعت أن تُغيّر شيئاً من خطط الأميركيين وتكتيكاتهم، ولا أن تُنهي بالعنف الأعمى سيطرتَهم. بل الذي "أَنجزتْهُ" غير القتل وسفك الدم إرغام ملايين الناس على النزوح أو الهجرة. لدينا النظر في المسؤولية الأُولى والأهمّ والواقعة على عاتق الولايات المتحدة بالمصير إلى غَزْو العراق. وهي مسؤوليةٌ تتكشّف أبعادُها كلَّ يومٍ، فتُضيفُ إلى الاستغراب استغراباً وإلى السُخْط سُخْطاً. فقد تبين للجنة التي شكلتها الحكومةُ البريطانيةُ الحالية أنّ الأميركيين والبريطانيين كانوا يعرفون أنّ صدَّام حسين لا يملكُ أسلحة دمارٍ شامل. كما كانوا يعرفون أنّ النظام وجيشه واهِنان وما عادا يشكّلان خطراً على الولايات المتحدة أو الدول المُجاورة. فلماذا كان الغزو إذن؟ والمسؤوليةُ الثانية من حيث الدرجة تقعُ على عاتق دُوَل الجوار، إمّا بالصمْت أوالحياد. ويعتذر بعضُ المجاورين بأنّ إدارة بوش كانت هائجة، وما كان الوقوف في وجهها ممكناً. وعلى فرض التسليم بالعَجْز؛ فلماذا كان التجاهُلُ للوضع من جهاتٍ، والتدخل بطرائق سلبيةٍ بالداخل العراقي من جهةٍ أو أكثر. ثم لماذا ما ظلت هيئة دول الجوار تجتمعُ ولو لم تُحقّق إنجازاتٍ بارزة؟ ولماذا أخيراً تفاوض الإيرانيون مع الأميركيين حول العراق بمفردهم، ثم توقفت الاجتماعات دون أن نعرف ماذا جرى فيها. ثم إنّ مسؤولية دول الجوار لا تنتهي، سواء اختلفوا أو اتفقوا. والمسؤولية الباقية تقعُ على عاتق السياسيين العراقيين أنفُسهم. فهبْ أنّ "القاعدة" ما تزالُ عاملةً بالبلاد. لكنْ ماذا فعلت النخبة لكسْر شوكة المُغيرين والانتحاريين؟ لقد انصرف موظفون وبرلمانيون وضباط كبار لتقاسُم ثروات البلاد، وزاد الطين بلّةً أنّ بعض الأثرياء الجُدُد شكلوا هم أنفسهم ميليشيات بحجة الحماية، وفي الواقع للانضمام إلى غزوات النهب المسلَّح وتهريب النفط. ومرةً أُخرى، فإنّ بعض العراقيين فعلوا ذلك. أمّا الآخَرون فكان منهم العاملون دون كللٍ أو مللٍ لتأمين البلاد، ولنُصرة العملية السيادية، وللهرب من مسائل المُحاصصة الطائفية، ولإقامة نظام ديمقراطي عصري. لكنّ العراقيين هم الذين ينبغي أن يُوجَّه إليهم السؤال: كيف يحصُلُ هذا الذي يحصُل بعد ست أو سبع سنوات من بزوغ النظام الجديد؟ لا يصح الاعتذار بأنّ دول الجوار أو جهات فيه هي التي تبعث منفذي التفجيرات. إذ كيف أمكن لهذا العراقي أو ذاك أن يسمح باستمرار المذابح. ولا عُذْر بأنّ الخارج هو الذي أمر، أو أنّ "القاعدة" هي التي استخدمت: إذ كيف وجدت من تستخدمُهُ، وكيف يقوم السياسيون والأمنيون بواجبهم؟ قال رئيس الوزراء العراقي إنّ التفجيرات أسبابها سياسية وطائفية. والمفهوم أنّ قصده من الأسباب السياسية أولئك المعترضون على سَرَيان قانون الانتخاب الأخير لأنهم ضد مشاركة السنة أو ضدّ العملية السياسية. ولو كان ذلك صحيحاً وللأمر أسبابُهُ المعقولة، لكان ينبغي علينا أن نبحث عن سببٍ محدَّدٍ لكل تفجيرٍ جرى بالعراق من قبل. ثم إنّ الذين يريدون إفشال أمرٍ سياسي أو نجاحه بالتفجير سوف يفشلون في الغالب ولا يبقى غير شرورهم وإجرامهم. إنما بغضّ النظر عن الحُجج الأخلاقية؛ فقد مضت على العراق قُرابة السنوات السبع، لم يَخْلُ يومٌ فيها من تفجيرات دون أن تطرد الأميركيين أو تُعيد سيطرة النظام السابق. أمّا الخلافات الطائفية التي يتحدث عنها المالكي، فقد تراجعت ذرائعُها لسببين: أولهما قِلّة المناطق المختلطة بسبب طائفيات وتهجيرات السنوات الماضية. وثانيهما: انقسام الطوائف على نفسِها، بحيث ما عادت هناك جهةً سنيةٌ واحدةٌ، ولا جهةٌ شيعيةٌ واحدةٌ أو متضامنة. بل إنّ الأكراد نظّموا خلافاتهم من سنواتٍ طويلةٍ عبر التجمع في حزبين يتعرضان بدورهما لانشقاقات. والمعروف أنّ الحلول للمشكلات الطائفية تظهر عندما تتشقّق الطوائفُ من الداخل، كما حصل في لبنان في أواخر الثمانينيات! والقضية أنّ هناك سياسيين حقيقيين، لكنْ ليس هناك طائفيون حقيقيون. فالسياسيون يتلاعبون بالطوائف والطائفية، بينما لا يستطيع الطائفي المتعصِّب أن يستخدم أكثر من عدد صغير ولوقتٍ قصير. ولذا فالذي أُرجِّحُهُ أنّ المالكيَّ مُحِقٌّ في تسبُّب الخلافات السياسية بالاضطراب الأمني. لكنّ الخلافات السياسية هنا بمعنيين؛ الأول: "القاعدة" وأنصار النظام السابق، والصراعات السياسية الداخلية والمصالح الانتخابية والحزبية، والتي صارت غالباً بداخل الطوائف ذاتها ولأسبابٍ سياسيةٍ غير طائفية. ويُضافُ إلى السبب السياسي بشقّيه، عدمُ كفاءة الأجهزة الأمنية، وفئويتها واختراقها. وليس معنى ذلك أنّ كفاءة الأجهزة تحلُّ المشكلة لو كانت؛ بل إنّ التوافق على حدٍ سياسيٍ أدنى بين الكُتل الكبيرة هو الذي يُحسِّنُ الوضع الأمنيَّ إلى الآفاق القُصوى. فالمشكلُ سياسيٌّ يبقى كذلك. أمّا السياقان الإيراني والسوري، وهما سياقان مختلفان، فيتطلبان معالجةً مختلفةً لا تقتصر على الاتصالات بمسؤولي البلدين؛ بل تستدعي إطاراً إقليمياً، ثبت حتى الآن أنه "غير ماشي". فسوريا اعتادت على نمط تعامُلٍ معيَّن مع الجيران. وإيران غاضبةٌ في الآونة الأخيرة، وتتهم البعض بالتآمر عليها. يبقى أنّ العراق بلدٌ عربيٌّ كبيرٌ، وهناك أملٌ أكبر أن يستطيع الخروج من المأزق. فلا ينبغي تمكين من يريدون التأثير على وحدته واستقراره ومستقبله. ولا أدري كيف ننسى ملايين الضحايا والمهجَّرين حتى بعد نجاة العراق!