بالإخفاق في العثور على مخزونات أسلحة التدمير الشامل، ومع المصاعب المتواصلة في عراق ما بعد صدّام، بات من المنطقي أن نسأل: هل تم تسديد ضربة قاتلة إلى فكرة الاستباقية العسكرية، وإلى فكرة الحروب الوقائية؟ وهل تجربتنا في العراق أزالت من موقع التأثير خياراً سياسياً اعتقد الكثيرون هنا وفي الخارج أنه يشكّل ركناً أساسياً للعقيدة الاستراتيجية الجديدة لدى إدارة بوش؟
بخصوص المستقبل المنظور، لا يمكن لحرب العراق وعواقبها إلاّ أن تشكل عقبة في مسار أي رئيس يفكر في اتخاذ إجراء مماثل. ومن الممكن أن يستمر الناس في الجدل حول ما إذا كانت الإدارة ضخّمت التهديد الذي تشكله برامج الأسلحة العراقية. لكن ليس هناك من شك في أن الاستخبارات الأميركية لم تكن لديها السيطرة الكافية على ما يجري في العراق. وعندما يقوم مدير الـ "سي آي إيه" بإبلاغ رئيس أميركي بأن قضية برامج أسلحة بلد تحوطها الشكوك هي "مهمة سهلة"، فمن الممكن افتراض أن التقييم سيواجه تشكيكاً أكبر بكثير.
وعلى نحو مماثل، سيتذكر الرؤساء مصاعبنا الراهنة في إعادة تجميع أجزاء العراق، وسيسألون ما إذا كانت لدينا المقدرة والأموال الكافية أوالإرادة لمعالجة ما يتلو تدخلاً عسكرياً ما. وسواءٌ أيّد المرء الحرب، وصار يظن أن التخطيط الأفضل لمرحلة ما بعد الحرب ربما منعَ وقوع الكثير من المشكلات الراهنة، أو صار يعتقد أن رؤية الرئيس بخصوص العراق ما تزال قابلة للإنقاذ، فإن الواقع عندئذ يقول إن المتاعب المستمرة في العراق سيكون لها أثر في عملية صنع القرار الرئاسي على مدى سنوات، ولا سيّما عندما يتعلق الأمر بالاستباقية والحروب الوقائية.
وعلى رغم ذلك، تعرضت التقارير حول موت مبدأ الاستباقية للتهويل الشديد. أما الحقيقة التي مفادها أن إدارة بوش لا تسعى إلى تكرار تجربة العراق في المستقبل القريب، فهي شاهد زور. فعقيدة الاستباقية لم يكن المقصود منها أن تكون عاملاً حاسماً ترهن الإدارة به استراتيجية الأمن القومي.
وعلى رغم أن إعلان إدارة بوش استراتيجيتها على الملأ قد أعطى الاستباقية ثقلاً هو الأكبر حتى الآن، مثّلت هذه الاستراتيجية تحولاً نسبياً في القيمة وليس هجراً كاملاً للاستراتيجيات الأمنية السابقة. فمثلاً، يبقى الردع عنصراً مهماً في جملة أدوات الحكم في الولايات المتحدة، حتى حين اضطلع الدفاع الاستراتيجي والاستباقية بحمل المزيد من العبء لدى محاولة أميركا معالجة التهديدات الجديدة وتكنولوجيات عالم ما بعد الحرب الباردة. كما لا يعني ذلك أن الاستباقية خيار سياسي يتم اللجوء إليه قبل غيره. وعلى حد قول "كوندوليزا رايس"، فإن "عدد الحالات التي من الممكن فيها تبرير (الاستباقية) سيبقى صغيراً".
ومهما يكن العدد صغيراً، ما تزال الاستباقية جزءاً من الصورة؛ وينبغي ألاّ يكون هذا مفاجئاً، لأن بوش وفريق الأمن القومي لم يخترعوا هذه الفكرة. وفي كتابه الجديد "المفاجأة، الأمن والتجربة الأميركية"، كتب المؤرخ "جون لويس غاديس" أن "للاستباقية والعمل العسكري الوقائي تاريخا طويلا في فن الحكم في الولايات المتحدة".
واستندت عقيدة "مونرو" إلى رغبة واشنطن في المبادرة بالضرب قبل أن تتعرض هي لضربة. وعلى رغم أن الاستباقية أخذت المقعد الخلفي في السير نحو الردع المتبادل في معظم الحرب الباردة، بقيت كخيار سياسي بيد الرئيس كينيدي عندما شق طريقه عبر أزمة الصواريخ الكوبية. وتحسباً لنسياننا أقول إن البنتاغون في عهد كلينتون كان يضع خططاً لضربة عسكرية ضد كوريا الشمالية، وذلك قبل أن تؤدي المحادثات إلى اتفاق كان من شأنه أن يضع حداً لبرنامج كوريا الشمالية النووي السري.
وبرهن خوض الحرب في العراق على أنه أصعب مم المتوقع، لكن ذلك لم يغير الوقائع الأساسية التي أدت إلى اتخاذ إدارة بوش قراراً بإعطاء الاستباقية مكانة أبرز في الحكم الأميركي. فهل نظن أن العواقب المحتملة لحصول الإرهابيين على أسلحة التدمير الشامل هي عواقب أقل أهمية؟ وهل نحن على ثقة أكبر في أن دولة كإيران لن تتآمر مع الإرهابيين لتنفيذ عملية ضد حلفائنا أو ضدنا نحن "الشيطان الأكبر"، بأسلحة كتلك؟ وهل نظن أن كوريا الشمالية ستكون لاعباً مسؤولاً على المسرح العالمي فور إيصال أسلحتها إلى مستوى الصورايخ البالستية؟
لن تختفي هذا الأسئلة، وهكذا لن تنهار الاستباقية كخيار. فهذا واقع لا يمكن حتى للأمم المتحدة أن تتجاهله. وعلى حد قول عنان نفسه، إذا كان مقدراً أن تكون لدى العالم أية "ثقة" في قرارات مجلس الأمن، فلابد من أن يكون قادراً على أن يقول إنه يستطيع "التعامل بفعالية مع المسائل الأشد صعوبة".
وحتى في هذا الوقت، وفي أثناء محاولة الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين معالجة البرنامج النووي الإيراني غير المشروع، تقف خلف مساعيهم إمكانية استعمال القوة الاستباقية من جهة الولايات المتحدة أو إسرائيل. ففي الواقع أن الاستباقية عنصر جوهري وشرط أساسي لنجاح تلك المحادثات. ولا أحد يظن أن طهران كانت ستبدأ بالتفاوض الجاد دون