على عكس ما تغنى به الشعراء والعشاق خلال آلاف السنين، لا توجد علاقة بين القلب والحب أو غيره من المشاعر. وكل ما يحدث أن القلب أثناء فيضان المشاعر في الجسم يزيد من عدد خفقاته، استجابة للهرمونات التي تطلقها غدد الجسم الصماء، سواء كانت تلك مشاعر حب أو غضب أو خوف. والقلب في الحقيقة هو عبارة عن نسيج عضلي في حجم قبضة اليد، متخصص في ضخ الدم في دائرة مغلقة داخل الجسم. ولا تضاهي أية مضخة صنعها الإنسان قدرة القلب على الاستمرار في وظيفته، لفترات قد تطول أحيانا إلى 120 عاما لدى بعض الأشخاص. بل إن العلماء فشلوا في جميع محاولاتهم التي بدؤوها منذ ما يقرب من نصف قرن، لاستبدال القلب بمضخة كهربائية ولو حتى لسنوات معدودة. وينقبض القلب 100 ألف مرة في اليوم الواحد، ضاخاً في الدقيقة الواحدة عشرة ليترات من الدم، أو ما يعادل 15 ألف ليتر في اليوم الواحد، وهي كمية كافية لملء خزانات المياه التي تعلو العمارات الشاهقة في المدن الحديثة. ويضخ القلب هذه الكمية الهائلة عبر جهاز متكامل من الشرايين والأوردة والأوعية الدموية، يبلغ طولها أكثر من 90 ألف كيلومتر، أو ما يزيد على ضعفي محيط الكرة الأرضية كلها. وتصاب هذه المضخة العجيبة بالكثير من الأمراض والأعطاب، ربما كان أشهرها انسداد الشرايين التاجية المغذية للقلب، وفي هذا المرض يعجز القلب عن إيصال الدم المحمل بالأوكسجين الضروري وبقية المواد الحيوية إلى خلاياه نفسها. أي أنه بينما يعمل القلب على توصيل الأوكسجين والغذاء إلى خلايا الجسم كلها، تموت خلاياه هو جوعا واختناقا. وتتسبب أمراض الشرايين التاجية في الإصابة بحوالي مليون ونصف مليون ذبحة قلبية في العام في الولايات المتحدة فقط، بينما تقتل أمراض القلب في بريطانيا شخصا كل ثلاث دقائق. وبوجه عام تشير الإحصائيات الأميركية إلى أن ثلث المرضى الذين يتعرضون للذبحات القلبية يقضون نحبهم، ومن ضمن هؤلاء المرضى يموت 250 ألفاً، قبل أن يصلوا حتى إلى المستشفى لإسعافهم.
مثل هذه الخسائر الباهظة التي تدفعها البشرية ثمناً لأمراض القلب وأوجاعه، جعلت الكثيرين ينادون بالوقاية باعتبارها السبيل الأفضل لتجنب استمرار وتصاعد هذا النزيف المأساوي في الصحة والحياة البشرية. وهو ما أدى إلى ظهور فرع خاص في أمراض القلب منذ عقد أو أكثر، يسمى طب القلب الوقائي (Preventive Cardiology). وتعتبر الإجراءات الوقائية الكفيلة بحماية القلب والشرايين إجراءات معروفة ومؤكدة علمياً، مثل الامتناع عن التدخين، وممارسة الرياضة اليومية، وتناول غذاء صحي متوازن، واتخاذ التدابير الكفيلة بتخفيف القلق والتوتر في الحياة المهنية والشخصية، وعلاج - أو على الأقل التحكم في- الأمراض التي تؤثر على القلب والشرايين مثل ارتفاع ضغط الدم ومرض السكري.
وعلى صعيد هذه الإجراءات، نشرت هذا الأسبوع مجموعة من الباحثين بجامعة كاليفورنيا بمدينة لوس آنجلوس، دراسة في المجلة العلمية المتخصصة (Proceedings of the National Academy of Science)، مفادها أن نظام الحياة اليومية الذي يجمع بين ممارسة الرياضة باعتدال وبين تناول غذاء صحي متوازن، يحتل أهمية خاصة على قائمة إجراءات الوقاية من أمراض القلب والشرايين. وفي تلك الدراسة أظهر الباحثون أن ممارسة الرياضة فقط، نجحت إلى حد كبير في خفض اكتساء الشرايين بالرواسب الدهنية التي تسبب انسدادها وتصلبها. هذا التأثير الإيجابي، اكتشف الباحثون أنه تضاعف عدة مرات عندما مزج النظام الرياضي اليومي بتعاطي الفيتامينات والإضافات الغذائية الأخرى. فخلال الدراسة التي أجريت على مجموعة من الفئران الحاملة لعوامل خطر الإصابة بأمراض القلب، نجح النشاط البدني في وقايتها من تلك الأمراض بدرجة ملموسة. ولكن عند إضافة بعض الفيتامينات وخصوصا تلك المعروف عنها أنها مضادة للأكسدة (antioxidant) مثل فيتامين (C) وفيتامين (E)، وبعض العناصر الغذائية الأخرى مثل الحمض الأميني (L-argenine)، تضاعف التأثير الإيجابي الذي كان يتم الحصول عليه من النشاط البدني فقط. وتفسر هذه الظاهرة على أنها نتيجة قيام العناصر المضادة للأكسدة بالتخلص من مواد كيميائية خاصة (free radicals)، والتي تتسبب في تلف جدران الشرايين. هذا بالإضافة إلى أن المزيج الخاص من النشاط البدني المدعوم بالفيتامينات والعناصر الغذائية، يرفع من مستوى أوكسيد النيتريك (nitric oxide)، وهي المادة المعروف عنها قدرتها على حماية القلب والشرايين من التعرض للتلف.
وبخلاف الرياضة والتغذية السليمة، يمكن خفض احتمالات الإصابة بأمراض القلب بشكل كبير، من خلال تجنب عوامل الخطر سابقة الذكر والمعروف عنها مساهمتها بشكل كبير في زيادة احتمالات الإصابة بالذبحة الصدرية. وإذا ما لم تكفِ الممارسات الشخصية في خفض خطر بعض تلك العوامل، مثل خطر ارتفاع مستوى الكولسترول في الدم، فيمكن وقاية تلك الحالات من خلال بعض العقاقير الطبية كمجموعة "الستاتين" أو "النياسين". ومثل تلك الإجراءات الوقائية البسيطة من شأنها أن تقلل الحاجة لا