جاء مفاجئاً لكثيرين ذلك الاتفاق بين طرفي الأزمة في هندوراس، والذي نص على تمكين رئيسها المخلوع إيميل زيلايا من العودة مجدداً إلى منصبه، لكن كثيرين أيضاً فوجئوا بانهيار الاتفاق قبيل بدء تنفيذه! وها قد أجرت حكومة الأمر الواقع في هندوراس انتخابات رئاسية يوم أمس الأحد، على وقع تحذيرات إقليمية ودولية من عدم الاعتراف بها. وقد تفجرت الأزمة في هندوراس عقب إطاحة جيشها بزيلايا من الحكم، وما تبع ذلك من فصول ومحطات كانت أهم عناوينها المقاطعة الخارجية للحكومة الجديدة، والوساطة الكوستاريكية بين طرفي الأزمة، مروراً بظهور زيلايا المفاجئ في "توجوسي جالبا"، ثم توقيع الاتفاق، وأخيراً فشله. أما جديد الأزمة فهو انتخابات أمس التي يعتبرها زيلايا غير قانونية وبمثابة استمرار للانقلاب ضده، إلى جانب اتهامه للولايات المتحدة بتغيير موقفها من الأزمة، إذ أعلنت الخارجية الأميركية أنها "تراقب العملية الانتخابية في هندوراس باهتمام"، ليصرح زيلايا يوم الخميس الماضي، قائلا إن واشنطن بموقفها الجديد تعطي الأولوية للانتخابات وليس لعودة الديمقراطية، وأنها "تُحدث انقساماً بين الأميركيتين، سيمثل سابقة خطيرة في تاريخهما". كما أصدرت المحكمة العليا النهدوراسية قراراً يوم الخميس الماضي، أفتت فيه بأنه لا يمكن قانونياً عودة زيلايا لمنصب الرئيس. هذا ولم تخل علاقة زيلايا بالولايات المتحدة من غموض والتباس ومفارقات؛ فهو زعيم يساري غير محسوب في كفتها، وقد ترددت قبل أن تدين الانقلاب ضده، ثم دخلت كوسيط في الأزمة التي تفجرت بسبب إطاحاته، وها هي تقترب من التأييد علناً للانتخابات التي تنظمها سلطة الأمر الواقع، ما يعني تغيراً في موقفها من عودة زيلايا للحكم! وقد بدأت أزمة زيلايا صيف العالم الحالي حين أثيرت ضده تهم بسوء استغلال السلطة، وبارتكاب تجاوزات قانونية، لاسيما بعد إصراره على إجراء استفتاء دستوري لإلغاء مادة تمنع ترشح الرئيس لولاية ثانية، متحدياً البرلمان والمحكمة العليا، ومعهما الجيش الذي أقال قائده يوم 25 يونيو، لتحكم المحكمة العليا بإلغاء قرار الإقالة، متهمة زيلايا بارتكاب مخالفات فادحة. وإثر ذلك قام الجيش، فجر الـ28 يونيو، باعتقال الرئيس وترحيله إلى كوستاريكا، ثم صادق الكونغرس الهندوراسي على الانقلاب، وعين رئيس الهيئة التشريعية "روبرت ميلتشتي" رئيساً للجمهورية بالوكالة. لكن زيلايا تمسك برئاسته وبكونه الرئيس الشرعي لهندوراس، فمثلها في عدة قمم، وأقال السفراء الذين أيدوا الانقلاب وعين محلهم آخرين. وحاول في 5 يوليو العودة جواً إلى هندوراس، لكن طائرته لم تجد إذناً بالهبوط فتوجه إلى نيكاراغوا المجاورة، ومن هناك عبر الحدود في خطوة رمزية. وأخيراً كانت عودته المفاجئة في 18 سبتمبر، حيث دخل البلاد متخفياً ولجأ إلى سفارة البرازيل مع عائلته، مما شكل مفاجأة للحكومة الانقلابية، وفجّر أزمة بين "تيجوسي جالبا" وبرازيليا. لقد تكيف زيلايا مع وضعه الجديد كرئيس معزول داخل سفارة محاصرة، حيث يُمنع دخول كثير من المواد واللوازم إليه، كما يتعرض للمضايقة بموسيقى صاخبة تتعالى من جوار السفارة لمنعه من النوم ليلا، بل أعلن أنه تعرض لموجات إلكترونية تسبب الصداع وعدم الاستقرار الجسدي... لكنه حافظ على روحه المرحة والساخرة، حيث اعتاد الجلوس على كرسي في الهواء الطلق مستقبلا بعض الزوار والصحفيين، وهو يضع قبعة الكاوبوي، ويطلق النكات ويسخر من بعض مساعديه! ولد مانويل زيلايا عام 1952 في مقاطعة "أولانشو"، جنوب شرق البلاد، لأحد مقاولي الغابات وملاك الأراضي. درس في جامعة هندوراس الوطنية لكنه لم يكمل تعليمه فيها، وانشغل بتسيير أعمال عائلته، وأصبح في عام 1978 رئيساً لرابطة مصنعي الأخشاب. أما بداية مشواره السياسي فكانت الانضمام لـ"الحزب الليبرالي" (وسط اليمين) في مطلع السبعينيات، فانتُخب على قوائمه في عام 1985 نائباً برلمانياً عن "أولانشو"، ثم أعيد انتخابه مرتين في عامي 1989 و1993. ومع إعادة انتخابه للمرة الثالثة، عام 1997 عاد الحزب إلى الحكم، فشغل زيلايا حقيبة التنمية الاجتماعية، قبل أن يستقيل في عام 2000 لخوض الانتخابات الداخلية، دون أن يفوز بترشيح الحزب لانتخابات الرئاسة عام 2001، إذ تقدم عليه "رفائيل بونس" الذي خسر أمام مرشح "الحزب الوطني" ريكاردو جوست. لكنه أخيراً نال ترشيح الحزب لانتخابات 2005، حيث فاز -وإن بصعوبة- على منافسه مرشح "الحزب الوطني". وخلال توليه مقاليد السلطة، ركز زيلايا على ملفي الديون الخارجية والطاقة، فنجح في تخفيض حمولة الملف الأول بفضل المبادرة الدولية لإعفاء الدول الأكثر فقراً، ولم يحقق الكثير في الملف الثاني رغم ما قدمته فنزويلا من تسهيلات. وسجلت هندوراس في عهده متوسط نمو اقتصادي بلغ 7?، وحافظت العملة الوطنية (لابيرا) على سعرها أمام الدولار... لكن أيضاً حافظت البطالة على معدلها البالغ 27?، كما بقي نحو 52? من سكان البلاد، والبالغ عددهم نحو سبعة ملايين نسمة، تحت خط الفقر. وخلال السنوات الماضية أظهر زيلايا ميلا متزايداً نحو اليسار، وكانت زيارته لكوبا عام 2007 نقطة تحول في خياراته الداخلية والخارجية، من هنا كان وما يزال شافيز أقوى داعمي عودته للحكم. ورغم ذلك أدانت الولايات المتحدة إطاحة زيلايا، قاطعةً مع تاريخ طويل من مساندة الدكتاتوريات العسكرية في حديقتها الخلفية! وفيما تعذر على حكومة الانقلابيين نيل الاعتراف الخارجي، واتضح أنه لا قبول لنتائج انتخابات نوفمبر 2009 خارج إطار الوفاق الوطني، رضخت أخيراً لضغوط المجتمع الدولي الذي رفض منحها الاعتراف وأوقف المساعدات التنموية عنها... فقبلت توقيع اتفاق تسوية يوم 28 سبتمبر، تضمن عودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الانقلاب، أي استئناف زيلايا مهامه كرئيس، وتنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها المقرر. وبينما تراءى للبعض في حينه أن اشتراط الموافقة البرلمانية على عودة زيلايا، هو "فخ" لنسف الاتفاق، فإن الطرفين لم يصلا تلك المرحلة، حيث انهار الاتفاق عند الخطوة التنفيذية الأولى وهي تشكيل حكومة ائتلاف وطني، إذ أصر زيلايا على إعادة تنصيبه أولا كي يكون هناك رئيس يعين الحكومة! بيد أن زيلايا فقدَ كثيراً من أوراقه الآن، ومنها انتهاء فترته الرئاسية، وانشقاقات حزبه، وما أصاب أنصاره من إعياء وتراجع. وبالتأكيد فإن الموقف الأميركي، وحكم المحكمة العليا، وانتخابات أمس... لم تترك له مخارج كثيرة على الرئاسة مجدداً!