انتهت مباراة مصر والجزائر التي تؤهل أحدهما للتصفيات النهائية لكأس العالم، واحد منهما انتصر في هذه "الموقعة"، لكن ما قبل المباراة وما بعدها لم يزل تأثيره قوياً إن كان ما بين البلدين رسمياً أو شعبياً. ما قبل وما بعد تلك المباراة التي أجريت في السودان خرجتُ بعدة انطباعات قد يشاركني البعض فيها وقد يخالفني البعض الآخر: أول ما استرعى انتباهي هنا هو أن النخب -أياً كان موقعها- استجابت للاندفاع العاطفي للجماهير، وكان من المعتاد أن تجر تلك النخب الجماهير لما تريد بفعل الكاريزما أو إقحام معركة باردة أو ساخنة مع الشعوب الأخرى أو خلق توتر داخلي، وما حدث هذه المرة هو أن العامة في البلدين أخذت الساسة والإعلاميين والاقتصاديين وبعض المثقفين إلى التطرف التام مع أو ضد، والـ(مع) هنا تعني الإقلال التام والتسفيه لكل ما هو مصري أو جزائري.. حسب المواقع. أين العقلاء في تلك المعمعة؟ كانوا قليلين جداً ولا يظهر لهم صوت في خضم المعارك الكلامية شديدة الوطأة، وكأن مصر بشعبها ورئيسها ومقدراتها لم تشارك في حرب التحرير الجزائرية؛ وكأن الجزائر شعباً ورئيساً ومقدرات لم تكن من البادئين الأوائل حضوراً عندما ادلهمت الخطوب على مصر في حرب عام 1967. لم يخرج إلا واحدٌ أو اثنان يُذكّر بما كان وصار من التاريخ وبما هو أعظم: الدين المشترك.. وعروبةٌ لم يبقَ منها إلا الذكريات! هل من الجائز أن يساير السياسي والنخبوي الجماهير في إيقاعها النفسي، أم أن عليه أن يعاكس مجرى المياه حتى ولو كان التيار قوياً وتصعب مقاومته؟ في الحرب العالمية الثانية، وبسبب القصف الألماني المكثف على لندن والمدن الإنجليزية الأخرى، راود الناس في بريطانيا شعورٌ بالاستسلام للنازي، حتى يمكن أن يدفنوا موتاهم ويطببوا جرحاهم ويشتروا خبزاً وجُبناً. شخصٌ واحـد قال لا: لا للاستسلام ولا للهزيمة ولا للسماح للغازي المتوحش بأن يأخذ البلاد وبما فيها وعليها رهينة للمفاوضـات على بقية أوروبا.. إنه (تشرشل) الذي قال لشعبه وبمساندة من مليكه: سـنقاوم الألمان ولو بحبات البطاطس إن لم يبقَ معنا سلاح متحرك أو أبيض، ولن يمر الغزاة -يا شعبنا- إلا على أجسادنا. أخذ هذا الداهية الذي كان يبلغ من العمر أيامها الستين، أخذ شعبه للحالة المناقضة للمزاج الشعبي السائد، ولم يجره شعبه على الإطلاق للسائد من منطق الهزيمة. ألم يكن في الجزائر ومصر من يستطيع أن يقول: لا! لا لانفصال الإخوة في الدين، والجذور، والتاريخ المشترك، وسنوات النضال والكفاح؟ ما الانطباع الثاني؟ العروبة! عندما تنشب الأزمة بين دولتين عربيتين نرى الجميع وقد هرع لانعزاليته الوطنية، ويكفر حينها بقوميته وأصله العربي، فهذا بربري، وهذا فرعوني، وذاك فينيقي، والآخر إفريقي أو خليجي، أكانت العربية والعروبة حلماً سفيهاً واستيقظنا منه فجأة؟! ما الذي يجمع السعودي بالمغربي، والموريتاني بالعُماني، إلا آيات محكمات ولسان عربي فصيح؟ أيجتمع الهولندي بالقبرصي من أجل "اليورو" وتفرقنا نحن أبناء الذبيح (إسماعيل) كرة مليئة بالهواء؟ أمرٌ آخر فيه من السخرية ما فيه: عندما نقول إننا نمثل العرب في المونديال ولا نتحدث العربية -أو لا نستطيع- ونتحدث بالفرنسية والإنجليزية بعد أن غادرنا المستعمر منذ أكثر من خمسين عاماً، أليس هذا دليلاً على تهافت العروبة في قلوبنا وفي ألسنتنا بعد أن أسقطناها من التاريخ والمستقبل؟ الإعلام في البلدين وفي بلدان أخرى تريد الوقيعة بين الإخوة والأشقاء، راح يزيح من طريق مبادئه وشعاراته التي تقول لنا دائماً وبصورة مزعجة: إن حرية الرأي والكلمة مقدمة على كل شيء! هذا الإعلام بعينه نراه يطارد المطرب الذي غنى قبل سنوات لمصر، وإعلام مقابل راح ينقب في أصول ممثل لأن أمه جزائرية، ومن أخذ جائزة تقديرية في أحد المحافل الفنية التي أقيمت منذ زمن في الجزائر أخذ عدة الاستعداد لإرجاعها لأصحابها، وإعلاميون آخرون راحوا يطالبون بإزالة اسم شارع الجزائر كمسمى لأحد الشوارع ووضع اسم آخر! أما في الجزائر فهناك مطالبة إعلامية بإلغاء أسماء الأدباء والفنانين والساسة المصريين من الذاكرة الجمعية الجزائرية قبل ما هو مكتوب، والبعض راح يطالب بدبلجة الأفلام المصرية والمسلسلات إلى اللغة الأمازيغية بدلاً من اللهجة المصرية.. العربية! الإعلام كان من الممكن أن يكون في البلدين قائد عربة التصالح والتقارب وإزالة سوء الفهم، لكن ما ظهر من السوءات وبشكل محبط ومؤلم، هو تلك المطالبات بنسيان الروابط المشتركة وإزالة أي إشارة ورمز للبلد الآخر، إلى أن وصل إلى حد المطالبة بقطع العلاقات.. فكان ما كان مما نراه ونسمعه ونقرؤه من سقط الكلام والنـزوع للكراهية وتمجيد التطرف الوطني. أما الانطباع الأخير فليس إلا سهم الضحك ذاك، والذي اُستل من كنانه البلية وشرورها، فبلدٌ مثل السودان يعيش منذ سنوات وهو في حالة طوارئ من هجمات الانفصاليين وتمرد الجنوب والغرب وأزمات الحياة المختلفة، يعلن -زيادةً في البلاء- حالة الطوارئ للفصل بين جماهير بلدين عربيين أتوا من أجل مباراة كرة قدم، وعند هذه الإشارة امتنع قلمي عن الكتابة.. وفي العين دمعة وفي الفم أنهار من الماء!