يعقد قريباً مؤتمر كوبنهاجن الذي يهدف إلى إقناع دول العالم بالتوقيع على معاهدة لحماية البيئة تحل محل اتفاقية "كيوتو" الآفلة التي ستنتهي عام 2012. وموضوع البيئة ذو شجون ولايمكن اختزاله في مؤتمر عالمي واحد لأن البشرية على يقين بأن حماية البيئة ذو تشعبات وتفاصيل تحتاج إلى مئات المؤتمرات وآلاف جولات التفاوض. فمع تزايد سكان العالم ومعدلات التنمية في معظم بلاد الأرض صارت مهمة المحافظة على البيئة أكثر صعوبة. والعديد من الدول ليس لديها الموارد اللازمة لمقابلة حاجات مواطنيها الأساسية الآنية فما بالك بالحاجات المستقبلية لإطعام المليارات الذين سيولدون في المستقبل. ويقابل ذلك أن أمما أخرى في العالم الصناعي هي الأكثر غنى ورفاهية، وتعتقد بأن استمرار وفرة ما لديها من موارد طبيعية مضمون، فنرى في هذا السياق إهدارا لموارد الطاقة بشتى أنواعها، وتبذيرا في استخدام الأراضي الزراعية، وتلويثا لموارد المياه، وإسهاما مكثفا من خلال مخلفات الصناعة في تلويث معطيات الكرة الأرضية من مياه وتربة وهواء. ومن المحزن حقاً أن ذلك الدمار للموارد الطبيعية يتم تحت اسم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويلاحظ بأن نشطاء حماية البيئة ومؤيدي التنمية المستقبلية يضغطون لإحداث تغييرات في سياسات دولهم الداخلية سواء كان ذلك في الأقطار المتقدمة اقتصادياً أم في الأقطار التي لازالت في طور النمو، ويلاحظ أيضاً بأنه تم تحقيق نجاحات لا بأس بها في الدول المتقدمة صناعياً، خاصة دول أوروبا الغربية، وبأن ثمار جهود المحافظة على البيئة ستنضج قريباً، أو أن البعض منها قد نضج فعلاً في شكل تشريعات وقوانين ملزمة، أو ثقافة بيئية جديدة ، وبأن معدلات التلوث توقفت عند مستويات معينة ولم ترتفع في السنوات الأخيرة. وفي عدد غير قليل من أقطار العالم النامي يوجد قبول وإن كان متحفظاً بالفكرة القائلة بأنه لا يجب تحقيق النمو الاقتصادي في مقابل عدم المحافظة على البيئة. ويدل التزايد المتسارع في إعداد الجماعات التي تؤيد هذه الفكرة وتسعى إلى تحقيقها على أن مستقبل العالم على هذا الصعيد لايزال واعداً. وفي الوقت الذي أصبحت فيه العديد من دول العالم، على وشك تحقيق شيء من التقدم في مجالات المحافظة على البيئة على الصعد الداخلية، إلا أن الأجندة البيئية على المستوى العالمي آخذة في التحول، ففي هذه المرحلة تعتبر أكثر المشاكل البيئية الملحة عالمية الطابع، وإن كانت الدول الصناعية الكبرى، وتلك التي لازالت في طور النمو كالصين والهند والبرازيل والمكسيك التي تتسبب في المشكلة أكثر من غيرها. إن أهم المشكلات البيئية التي يواجهها عالم اليوم تتعلق بالتغيرات البيئية المدمرة. لذلك فإن الموارد الطبيعية التي تحتاج إلى حماية تعتبر موارد عالمية مشتركة تخص كافة الدول فقيرها وغنيها، فهذه الموارد تتعلق بمصايد الأسماك وبالكائنات الحية المهددة بالانقراض وبالمحيطات والأنهار والغابات، وما شابه ذلك من موارد تتخطى الأطر الإقليمية للدول الوطنية وحدودها الإقليمية. ولسوء الحظ فإن الدول التي تعلمت من خلال تجاربها الخاصة المريرة مع دمار البيئة اضطرت إلى وضع سبل حماية البيئة وتحقيق التنمية بطرق يسيطر عليها بشكل منفرد الأمر، الذي جعلها غير قادرة بعد على حل جميع مشكلاتها البيئية في إطار متكامل مع الدول الأخرى. وإذا كان الأمر كذلك فلابد من طرح التساؤلات حول كيف يمكن لنا كبشر مجتمعين أن نحقق المستوى المطلوب من التعاون العالمي الذي يمكن من خلاله التعامل الحكيم مع هذا الجيل الجديد من المخاطر والتهديدات البيئية؟ وما يدعو إلى طرح تلك التساؤلات هو أن البشرية جمعاء لازالت تفتقر إلى الكثير من الآليات التي تستطيع من خلالها حماية البيئة، ربما باستثناء الأمم المتحدة وعدد قليل آخر من الهيئات والمنظمات ذات الصفة الدولية التي يتم تحقيق نجاحات كاملة من خلالها، لذلك فإن مؤتمر كوبنهاجن القادم يعتبر فرصة مواتية أمام دول العالم لكي تحقق نجاحات مشهودة للبشرية على صعيد حماية البيئة.