ربما يتعين على الأميركيين وهم ينعمون بكل هذه الحريات والاحترام لحقوقهم الأساسية أن يذكروا حملات العنف والقسوة التي تتعرض لها النساء الناشطات في مجال حقوق الإنسان ومعارضة النظام الحاكم في زيمبابوي. فهنا جلست قبل أيام الناشطتان ماجودنوجو ماهلانجو وجنيفر ويليامز -القياديتان في حركة "انهضن يا نساء زيمبابوي"- حول إحدى طاولات "مركز روبرت إف. كنيدي للعدالة وحقوق الإنسان" في واشنطن وهما تتحدثان بكل هدوء عن أنشطة مفعمة بالجرأة النسوية المتعطشة للحرية والتغيير الديمقراطي في بلادهما. وقد قالت جنيفر ويليامز: نحن نساء عاديات جداً، وتتألف حركتنا من حوالي 75 ألف امرأة شاركن في ما يزيد على 100 تظاهرة احتجاج سلمية ضد الأوضاع في بلادنا، مع ملاحظة أن معظم هذه التظاهرات السلمية غالباً ما ينتهي أمر المشاركات فيها إلى السجون أو المستشفيات. وعقب زيارتهما للبيت الأبيض خلال الأسبوع الحالي وتسلمهما جائزة كنيدي لحقوق الإنسان، يتوقع أن تستقبل الناشطتان ماهلانجو وويليامز بتقديمهما إلى المحاكمة في بلادهما بسبب نشاطهما المعادي للسلطات الرسمية في العاصمة الزيمبابوية هراري. ومهما يكن من استمرار التضييق على الناشطات المشاركات في هذه الحركة، فإن المؤكد هو أنهن يلعبن دوراً كبيراً في ترويض ثقافة العنف السياسي القمعية المتسلطة وتعليمها معنى أن يتمسك الإنسان بإرادته السلمية العازمة على تحقيق الأهداف دون استخدام وسائل العنف. يذكر أن حركة "انهضن يا نساء زيمبابوي" تطالب بالحقوق الأساسية المتمثلة في العدالة الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية، وليست لها أية تطلعات للوصول إلى السلطة السياسية. ولكن المشكلة التي تواجهها مختلف الحركات الناشطة في زيمبابوي هي أن مجرد المشاركة في مظاهرة مطلبية أياً كانت غايتها وأهدافها تعد خطراً أمنياً وشكلاً من أشكال التمرد على السلطات، تتحتم مواجهته وإخماده. وهذا ما فسرته ويليامز بقولها: لهذا السبب تجرمنا السلطات وتتهمنا بأننا مجرد أبواق للقوى الأجنبية المعادية لزيمبابوي. والحقيقة أن النظام الزيمبابوي الحاكم، مارس شكلاً من أشكال الإبادة الاقتصادية الجماعية لشعبه، مع أن العالم كله يتبنى نهجاً اقتصادياً ليبرالياً ومحافظاً في ذات الوقت. والمقصود بهذه الإبادة الجماعية هو أن سياسات الإنفاق المالي الطائش، وارتفاع معدلات التضخم، والقيود المشددة المفروضة على الاستثمار، وانتشار ممارسات الفساد، إضافة إلى سياسات مصادرة المزارع، كلها عوامل ساهمت في تدمير حياة المواطنين وإفقارهم من أبسط مقومات الحياة. وفي الوقت نفسه تجاوزت معدلات البطالة حسب الإحصاءات الاقتصادية الرسمية نسبة 85 في المئة. ويواجه نصف مواطني البلاد خطر الجوع وأمراض سوء التغذية. كما انخفضت معدلات أعمار المواطنين من الجنسين بنسبة 50 في المئة خلال العقد الأخير من سنوات النظام الحالي. يذكر أن الأطفال في تلك البلاد هم الأكثر عرضة للوفيات وأمراض سوء التغذية وتأخر النمو، مقارنة بكافة بقية دول منطقة جنوب الصحراء الإفريقية. والغريب والمخيف في آن واحد هو أن هذه الأوضاع التي يعيشها الزيمبابويون تمثل جزءاً من الاستراتيجية التي يتبناها حزب "زانو" الحاكم. فعلى حد قول ماهلانجو: لا يكتفي النظام باستخدام العنف فحسب، بل يتعمد كذلك تحويل كافة المواطنين إلى عجزة وأرقام في فئة من لا حول ولا قوة لهم سوى الاعتماد على المساعدات التي تقدمها لهم الحكومة. وبالنتيجة يقضي معظم أفراد المجتمع حوالي 9-11 ساعة من العمل اليومي لا لشيء سوى لتأمين بقائهم أحياء. ويكافح معظمهم في جمع الحطب والغذاء طوال هذه الساعات، حتى لا يبقى لهم من القوة ما يكفي لمقاومة هذه الظروف المعيشية القاسية والاحتجاج عليها. ومن هذا الفقر المدقع الذي فرضته السلطات على السكان، يستمد النظام قدرته على البقاء والاستمرار، طالما بقي الهم الرئيسي للمواطنين هو الكفاح اليومي من أجل لقمة العيش لا أكثر. واستمرت ماهلانجو في وصف هذه الممارسات بالقول إنها تمثل لها نوعاً من أنواع مص الدماء السياسي، فكأن النظام الحاكم يستمد حياته وقدرته على البقاء من امتصاص دماء شعبه! ولكن على رغم هذه الظروف والتحديات القاسية، تنهض عشرات الآلاف من النساء كل يوم، منذ الثالثة صباحاً في بعض الأحيان، وكلهن نشاط وحيوية من أجل تغيير واقعهن. ولا تستخدم الناشطات هؤلاء الهواتف النقالة والرسائل الإلكترونية -التي يسهل رصدها وتعقبها- وإنما يعتمدن في مقاومتهن لهذه الأوضاع اللاإنسانية على الاتصال والحديث المباشر مع الآخرين. كما تعقد ورش العمل التي تهيئ الناشطات لما يجب عمله مستقبلاً من حقوق يطالبن بها ويكافحن من أجلها. وتسعى الحركة لتوفير محامٍ يتولى الدفاع عمن يتم اعتقالها بعد ساعة من إبقائها في الحبس. كما تعمل على توفير طبيب لها في حالة تعرضها للضرب، فضلاً عن العناية بأطفالها فيما لو استمرت فترة اعتقالها. وبسبب هذا الدعم، تدرك النساء الناشطات أنهن لا يواجهن الظلم الاقتصادي الاجتماعي السياسي بمفردهن. يجدر بالذكر أن هذا النشاط لا يستند إلى نظريات تطالب بإحداث تغييرات كبيرة وجوهرية في زيمبابوي. فعلى المرأة الناشطة أن تذهب لمقابلة أقرب مسؤول محلي فيما لو تعطل نظام الصرف الصحي في الحي الذي تقيم فيه. وعلى رغم بساطة المطلب والنشاط، إلا أن الاعتقال والضرب يظلان احتمالين مفتوحين عليها مواجهتهما، طالما أن المطالبة أياً كانت تفسر من قبل السلطات على أنها شكل من أشكال التمرد. وفي نظر الناشطات أن الاحتجاج على هذه الأوضاع وبهذه الطريقة يعد هو أعمق ممارسة للديمقراطية، وأبلغ تعبير حتى من إلقاء كلمة "لا" في صناديق الاقتراع. فمن معاني الديمقراطية العميقة أن يرفض الإنسان العيش محوطاً بمياه المراحيض والقمامة.. أن ينهض دفاعاً عن حقه في الحياة الكريمة اللائقة بإنسانيته. مايكل جيرسون كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"