في دراسة صدرت مؤخرا عن مجموعة الأزمات الدولية حول مستقبل حركة "فتح" الفلسطينية، جاء أنّ على الحركة أن تقرر ما إذا كان عليها تطوير استراتيجية مقاومة غير عنفيّة جماهيرية تتجنب محاذير الكفاح المسلّح، لكن تقدّم في الوقت ذاته بديلا لاحتمال فشل مفاوضات حل الدولتين. وأن تحدد علاقتها مع حكومة السلطة الفلسطينية، وكيف ستحقق الوحدة مع "حماس"، وبأي ثمن! وتقتبس الدراسة من "روبرت مالي"، المستشار السابق للرئيس الأميركي بيل كلينتون ومستشار الرئيس الحالي أوباما أثناء حملته الانتخابية، قوله إنّ الولايات المتحدة وإسرائيل قد لا تعجبهما بعض إجابات "فتح" على هذه الأسئلة، لكن تقديم تلك الإجابات أفضل من عدمه. أكبر مشاكل "فتح" هي غياب الاستراتيجية، وعدم تجديد دمائها بشكل كاف ٍبعقول وطاقات فاعلة وناجحة، خصوصا في الشتات، خارج فلسطين. فقد اعتمدت الحركة على أشخاص من خارجها لحمل بعض أعبائها، كما في حالة الدكتور سلام فيّاض. وقد خطا فيّاض خطوة إضافية بطرحه مشروع الدولة من طرف واحد، ليحوله إلى مشروع وطني، واستراتيجية عمل جزئية ومرحلية مهمة. وشيئا فشيئا تكتسب الفكرة شعبية في أوساط قيادية في الحركة، وممن يبدو أنّهم يتبنونها الدكتور محمد شتية، والدكتور صائب عريقات، عضوا مركزية "فتح". والاستفادة من كفاءة شخص مثل فياض يحسب للحركة لا عليها، فهي من طرح أصلا فكرة أنّ حركة التحرر تستفيد من الكل بغض النظر عن فكرهم السياسي وتوجههم العقائدي، بحيث تتوجه كل المعاول ضد جبهة الاحتلال. إذا ما قررت "فتح" نفض الغبار عن نفسها، وأن توالي نجاح مسيرة مؤتمرها العام الذي عقدته في أغسطس الماضي على ما فيه من ثغرات، فهناك على الأقل تجربتان يمكن الاستفادة منهما قدّمهما الشعب الفلسطيني مؤخراً، وتحديداً جهات قريبة من "فتح"، إن لم تكن جزءاً عضويّا منها. أولها مشروع دولة الأمر الواقع التي نظّر لها فيّاض. وثانيهما تجربة قرية بلعين التي تخوض منذ عام 2005، نضالا لا عنفياً مُصاغاً بإبداع عال جداً، استقطب اهتمام مناضلي الحرية من جميع أنحاء العالم، وأصبحوا جزءا من نضال القرية، يقفون مع أهلها في مواجهة الاحتلال، واستطاعوا معا انتزاع مكاسب مهمة من وقف جزئي للاستيطان في أراضي قريتهم، ومن تغيير مسار جدار الفصل العنصري ووقفه أحيانا... ولو عُممت تجربة بلعين لكنا أمام انتفاضة واعية ومدروسة. وإذا كان أهالي بلعين لا يتحركون بإمرة "فتح" أو بالتنسيق معها، فإنّ قيادات بارزة في تحرك القرية يعلنون عضويتهم في "فتح" دون مواربة. والأهم من تعميم تجربة بلعين، وتبنيها بشكل واضح، الربط بينها وبين فكرة دولة الأمر الواقع المطروحة. خاصة أنّه في مرحلة ما ستلجأ إسرائيل على الأغلب لمواجهة المشروع ببربريتها المعروفة. ففكرة بناء مؤسسات الدولة ومواجهة الاستيطان بالبناء الفلسطيني، ستثير في مرحلة ما حفيظة المستوطنين والاحتلال، وآنذاك يصبح ضروريا أن يكون المدنيون جاهزين لممارسة ما يمارسه أهالي بلعين في الدفاع عن مشروعهم للاستقلال والتحرر. ويتبع ذلك بطبيعة الحال ضرورة تفعيل الاستعداد الدبلوماسي والإعلامي لدعم مشروع الدولة من طرف واحد، وأيضاً لدعم النضال الشعبي. وبمثل استراتيجيات كهذه يمكن توقع خروج حركة التحرير الوطني الفلسطيني من أزمتها، وستتضح حتما آليات الوحدة الوطنية، فعندما تتحد الجهود ضد الاحتلال يسهل حل القضايا المختلفة.