أزمة لا سابقة لها في تاريخ جماعة "الإخوان المسلمين" الأم منذ أكثر من نصف قرن. لم تعرف هذه الجماعة صراعاً في داخل نخبتها القيادية منذ الصدام الذي حدث بين مرشدها العام الأسبق حسن الهضيبي وقادة النظام الخاص (الجناح المسلح) عقب ثورة 1952. وقد أنهى قرار حل الجماعة في أكتوبر 1954، وما تبعه من ملاحقات استهدفت تصفيتها، الصدام الأعنف في تاريخها. ولم تشهد الجماعة صراعاً علنيا في داخلها على هذا المستوى، أو أقل منه، منذ ذلك الوقت رغم أن التيار الذي برز في النقابات المهنية حمل معه خبرات جديدة وتصورات مختلفة عما ألفته تيارات أخرى أهمها التيار التقليدي الذي يضم قادة من خلفيات مختلفة، لكن يجمعهم ميل إلى العمل الدعوي والتركيز على العمل التنظيمي في داخل الجماعة أكثر من الانفتاح على الأحزاب والقوى الأخرى في الساحة السياسية. فقد ظلت الخلافات بين التيارين مكتومة تدار بنهج "تغليب الأخوة" وليس بأسلوب الحوار الموضوعى. ومع ذلك حافظت الجماعة على تماسكها لفترة طويلة معتمدة على تقاليدها التاريخية التي تتيح التعايش بين تيارات مختلفة وأجيال متلاحقة. ولكن هذه التقاليد لم تكف لتجنب صراع جديد يبدو أن ملامحه تتشكل الآن على خلفية خلاف بين المرشد مهدي عاكف وأعضاء مكتب الإرشاد حول بنود اللائحة الداخلية. فهناك ما يدل على أن هذا الخلاف ليس إلا رأس جبل جليد تراكم على مدى سنوات طويلة وصار تذويبه صعباً. لذلك حدث خلال الأسابيع القليلة الأخيرة ما لم يقع مثله على مدى عدة عقود من الزمن، حين ظهرت الخلافات واضحة بعد أن امتد الصراع إلى صفوف الشباب الذي يتميز بعضه بجرأة غير مسبوقة في تناول الأوضاع الداخلية في جماعة أجاد قادتها احتواء الصراعات لفترة طويلة. فقد تحول بعض مدونات شباب الجماعة على شبكة "الإنترنت" إلى ساحة صراع حاد بين من يؤيدون المرشد، ومن ينحازون إلى مكتب الإرشاد. وتجاوز بعض أصحاب هذه المدونات ما كان يعتبر خطاً أحمر عندما هاجموا الوصاية التي يفرضها بعض قادة الجماعة، وطالبوا بإعادة انتخاب أعضاء مكتب الإرشاد من "مجموع الإخوان العاملين" وليس فقط من أعضاء الهيئة التأسيسية الذين لا يزيد عددهم على مائة وخمسين عضواً. ولكن مشكلة "الإخوان" الآن ليست في انتخاب مكتب إرشاد، وإنما في اختيار مرشد عام جديد خلال الأسابيع القليلة المقبلة بسبب انتهاء فترة ولاية عاكف الأولى في يناير القادم وإصراره على عدم التجديد. وهذا هو ما يجعل عملية انتخاب المرشد القادم محفوفة بخطر لم يعهد "الإخوان" مثله منذ نصف قرن، خصوصاً في ظل عدم وجود آليات لضبط أي صراع حين يصل إلى حد الانفجار. فقد تميزت الجماعة بقدرة كبيرة على احتواء الخلافات قبل أن تنفجر بوسائل تقليدية، ويعتبر بعضها بدائياً بمعايير التنظيمات السياسية والاجتماعية الحديثة. ولا يبدو أن قادة الجماعة الحاليين يقدرون هذه المشكلة حق قدرها، ربما لأن من عاصر منهم آخر صراع حاد انفلت في بداية خمسينيات القرن الماضي -وهم قليلون- كانوا صغاراً. وإذا كان هذا الصراع حدث بعد رحيل المؤسس حسن البنا، فقد وقعت في عهده وفى ظل قيادته صراعات لم تكن أقل حدة، لكنها خلت من العنف الذي انزلق إليه بعض أطراف الصراع بين أنصار الهضيبي ومناوئيه في قيادة الجماعة. ولم تكن "كاريزما" البنا كافية لتجنب انشقاقات متفاوتة انتهت إليها صراعات ثلاثة بدأ أولها في السنة الرابعة بعد تأسيس الجماعة، وكان نتيجة غياب قواعد لاختيار العناصر القيادية حين اضطر البنا إلى مغادرة موطنه مدينة الإسماعيلية إلى القاهرة عام 1932، فظهرت الحاجة إلى اختيار من يحل محله. وحدث خلاف على المرشح الذي دعمه البنا. فلما أصر عليه، وقع الصراع الذي انتهى بانشقاق المختلفين. ولم تمض سنوات حتى انفجر صراع أكثر حدة وتأثيراً بسبب الخلاف على سياسة الجماعة عندما اعترض عدد من قادتها وكوادرها على أداء المرشد واتهموه بمجاملة الحكومة أو التعامل معها بأساليب ملتوية بدلاً من مواجهتها بالحقيقة، وأخذوا عليه عدم الالتزام الصارم بالقيم الإسلامية، خصوصاً بشأن مسألة المرأة، والوقوف عند حد الدعاية في مساعدة مجاهدي فلسطين. وقد انتهى ذلك الصراع الذي بدأ عام 1938 واستمر لعام كامل بانشقاق معارضي المرشد، والذين أسسوا جماعة أطلقوا عليها "جماعة شباب سيدنا محمد". ولم تمض سنوات أخرى حتى نشب صراع ثالث داخل الجماعة عام 1946 على خلفية اتهامات أخلاقية بحق عبدالحكيم عابدين السكرتير العام للجماعة وصهر المرشد العام. فقد اتُهم عابدين باستغلال موقعه لأغراض غير أخلاقية. وبغض النظر عن صحة ذلك الاتهام من عدمه، فقد خلق أزمة دفعت البنا إلى التدخل لمصلحة صهره خشية اهتزاز صورته، مما أدى إلى تفاقم خلافاته السابقة مع نائبه أحمد السكري. وأدى تصاعد ذلك الصراع إلى انشقاق آخر خسرت بسببه الجماعة اثنين من أبرز قادتها حينئذ وهما السكري وإبراهيم حسن وعدداً من كوادرها وقواعدها. وإذ تعيد أزمة "الإخوان" الراهنة التذكير بهذا التاريخ الذي حفل بصراعات كان بعضها حاداً، فمن الطبيعي أن يثار السؤال عن قدرتها على احتواء هذه الأزمة وعبور نفق انتخاب المرشد القادم. والأرجح أن تتمكن من ذلك بسبب اختلاف الظروف التي تحيطها الآن عنها حين عجزت عن تجنب انفجارات حادة داخلها. فالخطر الذي يهددها من جراء الملاحقات والضغوط الأمنية المتوقع توسعها في الأشهر القادمة بهدف إضعافها في عام الانتخابات البرلمانية، يجعل تصعيد الخلافات في داخلها ترفاً باهظ التكلفة. ويختلف هذا الوضع كثيراً، وربما بشكل شبه جذري، عن حال الجماعة المستقرة المعترف بكيانها القانوني خلال عقودها الأولى التي شهدت أكبر صراعاتها وأكثرها حدة. ولما كانت الأزمة الراهنة ترتبط باختيار المرشد القادم، فلدى الجماعة خبرة سابقة في معالجة أزمة مماثلة اندلعت عقب اغتيال البنا في فبراير 1949 بسبب عدم التوافق على خلفه وطموح عدد من قادتها إلى هذا الموقع. وقد حُلت تلك الأزمة بالتفاهم على اختيار شخص من غير المتنافسين، غير أن ذلك الحل لم يعصم الجماعة من تصاعد خلافات جديدة داخلها انفجرت صداما عنيفاً بعد سنوات قليلة. لذلك لن يكون نجاح الجماعة في عبور مشكلة انتخاب المرشد القادم -إذا استطاعت- دليلاً على تمتعها بصحة طيبة. فإذا حدث ذلك، لن يكون نتيجة قدرة حقيقية على احتواء الخلافات وإنما بسبب الضغوط التي تتعرض لها وتفرض عليها تماسكاً ظاهرياً... إلى حين.