حالفني الحظ قبل أكثر من أسبوعين، بتواجدي في انجلترا، حيثُ أقيمت أمسية ثقافية بجامعة أكسفورد بالتعاون مع مركز دراسات الشرق الأوسط التابع للجامعة، وحاضر فيها الأديب جمال الغيطاني" الحائز على جائزة الشيخ زايد للكتاب عن فرع الآداب لهذا العام عن روايته "رن"، الدفتر السادس من دفاتر التدوين. كانت الأجواء جميلة بتفاعل الحضور مع الروائي جمال الغيطاني، الذي أسهب في الحديث عن رحلته الشيقة والصعبة في نفس الوقت مع دنيا الحرف والتي بدأها من قريته بصعيد مصر. وقد أشاد ضمن كلامه بأهداف الجائزة، ودعمها للأدب العميق ولكافة العلوم الإنسانية، كونها لم تتعمّد مغازلة الحواس، أو دغدغة المشاعر بطريقة فجة، وهو ما جعلها تحتفظ منذ تأسيسها بمصداقيتها على الساحة الثقافية. الغيطاني فتح النار على ظاهرة سلبية انتشرت في الأوساط الثقافية العربية بالعقود الأخيرة، غدت تعتبر "البيع الكبير" عنصرا أساسيا لتقييم العمل الأدبي!! مُعتبرا ذلك خطأ جسيما في حق الثقافة الجادة، وإجحافاً في حق المبدعين الحقيقيين! مؤكدا على أن هناك أعمالا أدبية راقية تستحق الإشادة بالرغم من أنها لم تُحقق انتشاراً واسعاً، ولم تُحرز عائدا كبيراً لأصحابها، وأنه شخصيّاً لا يكترث بنسب مبيعات كتبه، وإن لم يتجاوز عدد قُرائه خمسة ما دام مقتنعا بما بٌقدمه. من وجهة نظري، تكمن أهمية جائزة الشيخ زايد للكتاب، في أنها أُنشئت في وقت عصيب، في أجواء ثقافية موغلة في القتامة! حيثُ صارت أغلبية دور النشر تهرول خلف أعمال أدبية هزيلة، لمجرد أنها تلقى رواجا بين الناس، فتضمن المكسب السريع بالارتكاز على دخول مبيعاتها! إضافة إلى عزوف الأجيال الجديدة عن القراءة، وارتمائها في أحضان الكمبيوتر المتمثل في عالم الإنترنت الذي فتح أمامها عوالم متجددة من المعرفة، وأتاح لها فرصة الدخول إلى مناطق محرمة لم يعرفها الآباء ولم يكتشفها الأجداد، مما يعني صراحة في نظر الكثيرين بأن ثورة التكنولوجيا سحبت البساط من تحت قدمي الكتاب. مع كل هذا الكم من الإغراءات التي اقتحمت حياة البشر، وبرغم كل ما قيل وما يُقال عن قرب انقراض الكتاب، ووجوب الترّحم على زمن الحرف، إلا أنني ما زلتُ أراهن على بقائه شامخا مرفوع الرأس، حيثُ يظل بالنسبة لي وللكثيرين غيري، الواحة الهادئة التي استظلُّ إليها بعد عناء نهار كامل من الضغوطات اليومية. وليس هناك متعة تُضاهي عندي، تمديد جسدي على أريكة ناعمة، تُصاحبني نغمات موسيقى حالمة، وبين يدي كتاب أدسُّ وجهي فيه، واشمُّ رائحته التي تنبعث من بين صفحاته، مُحلّقا بي إلى عوالم واسعة لا يطالها بصري. إن جائزة الشيخ زايد للكتاب وغيرها من الجوائز الثقافية التي تتمتع بمصداقية واستقلاليّة على مستوى العالم، تستطيع أن تُقدّم زخما للمبدع لكي يستمر في عطائه بتقديم أعمال خالدة، وعلى جانب آخر تستطيع أن تُساهم في ترسيخ مكانة الثقافة الجادة لكي تنهل منها الأجيال الصاعدة وتتعلم من مضامينها. اقرأ... هي أول كلمة أنزلها الوحي على رسولنا محمد لعظمة الحرف في تحضّر الإنسان ورقي فكره. ومجتمعات لا تقرأ، يعني شعوب غارقة في الظلام، حتّى وإن كانت تزدحم أسطح بيوتها بأسلاك الكهرباء، وتُضاء طرقاتها بأعمدة النور الشاهقة، وتصدح من شرفاتها أغاني العشق!