كيف يتحوّل المظلوم إلى ظالم بالمعنى الذي يقال فيه إنّ أغلب من تعرّضوا، في طفولتهم، للقهر أو الاغتصاب، باتوا لاحقاً قاهرين ومغتصبين؟ هذا سؤال معرفيّ وأخلاقيّ توفّر تجربة "الخمير الحمر" الكمبوديّين إحدى أبرز التجارب الساطعة عليه. ذاك أن موت مليون شخص، بعضهم قتلاً مباشراً وبعضهم جوعاً وتهجيراً وإصابات بالأوبئة المميتة، من أصل سكّان يبلغ مجموعهم سبعة ملايين، حدث يشبه المحرقة اليهوديّة من حيث امتلاكه شموليّة تفيض عن السياسة، وإن وَجدت في السياسة بعض أجلى مراياها. وكائناً ما كان الأمر، يبقى أن كمبوديا عاشت ضحيّة تاريخها وتاريخ جيرانها. فحتّى أوائل القرن الخامس عشر سيطرت مملكة الأنغكور، وهم اسم مملكة الخمير الكمبوديّين تيمّناً بعاصمتهم يومها، على جوارها بأكمله، لكنْ في عام 1431 بدأ التفسّح المصحوب بهجوم الجيران السياميّين والفيتناميّين والتوغّل فيها. وبدت كمبوديا، بعد قرن ونيّف، على شفير الاختفاء الكامل، حتى أن أنغكور نفسها، أصبحت جزءاً من سيام. وقد قُتل أعداد من الخمير واستؤصلوا في حروب مدمّرة، شنّها تايلانديّون وفيتناميّون وأطراف محليّة، كما نُفّذت داخل أراضيهم. وأقدم التايلانديّون على إحراق عاصمة الخمير ثلاث مرّات في النصف الأوّل من القرن الـ19، كما أبقى المستشارون الفيتناميّون الملك الكمبوديّ أسيراً طوال 15 سنة، وتمتلئ السجلاّت والمدوّنات التاريخيّة بالإشارات إلى أحداث الحرق والنهب والمجاعة العاصفة بالبلد خلال الحقبة المظلمة تلك، وفي عدادها انتفاضة 1840 التي تحوّلت أحد معالم تاريخ الكمبوديّين، ضدّ تعاظم السيطرة الفيتناميّة عليهم. وعاودت الخلافات الحدوديّة ظهورها القويّ مع مؤتمر جنيف في عام 1954، فتراءت احتمالات جدّيّة لتسكين الوضع الإقليميّ، بعد انتصار الشيوعيّين الفيتناميّين على فرنسا، لكنْ تراءى كذلك أنّ الشيوعيّين الفيتنامييّن خانوا رفاقهم الكمبوديّين وجرّدوهم من السلاح، جاعلين منهم احتياطاً لدى نظام فيتنام الشماليّة ومصالحها. لكنْ عبر تعرّجات كثيرة تخلّلها إسقاط عهد سيهانوك انقلابيّاً في عام 1970، أمسك "الخمير الحمر" بالسلطة، في 1975، بعدما حاصروها من الأرياف وأزاحوا الجنرال الانقلابيّ المدعوم أميركيّاً لون نول. ولم يكن تطرّف "الخمير الحمر" الذي راح يتنامى، عديم الصلة بالنتائج المأسويّة التي خلّفها القصف الأميركيّ، عاملاً على تجذير مواقف الشيوعيّين الكمبوديّين ومؤجّجاً فيهم استعداداتهم الوحشيّة. لكنّ ما هو أفظع كان حلول "الخمير الحمر" في السلطة. هكذا يتأخّروا في تطبيق برنامجهم، فكانت المدينة أوّل المستهدَفين به: فخلال 24 ساعة أُمر بإفراغ العاصمة من سكّانها المليونين. ذاك أنّه على مدى السنوات السبع التي سبقت، كانت بنوم بنه قد تضخّمت من جرّاء لجوء أبناء القرى إليها، هرباً منهم كما من القصف الجويّ الأميركيّ. وتكرّرت عمليّة الإجلاء في معظم المدن الأخرى منتجةً جيشاً من المطرودين من بيوتهم، ممن تضوّر كثيرون منهم حتّى الموت. أمّا بول بوت فغدا رئيس حكومة لكمبوديا التي أعيدت تسميتها "كمبوتشيا" معلناً، تقليداً منه للثورة الفرنسيّة، "السنة الصفر"، وكاشفاً، صيف 1976، عن خطّة السنوات الأربع للتجميع الزراعيّ، وتأميم الصناعة المتواضعة أصلاً، وتمويل الاقتصاد برفع الضرائب الزراعيّة. وبدورها، تسبّبت الخطّة هذه في بؤس آلاف تكدّست جثثهم في الحقول، بينما المحاصيل الزراعيّة حكر على قطاع التصدير الخارجيّ وحده. وخرجت القوميّة المحليّة والبدائيّة من عباءة الزعم الأمميّ فضاعف سوءَ التغذية ذاك الإصرار على الطبّ الكمبوديّ التقليديّ، فيما افتُتح مقرّ الاستجواب الذي اشتُهر باسم "إس 21"، وفيه قضى أكثر من عشرين ألف رجل وامرأة. لكنّ "إس 21" ما لبث أن مهّد لإنشاء قرابة عشرين مركزاً مشابهاً. وأطلق "الخمير الحمر" خطّة وحشيّة لـ"تطهير" المجتمع الكمبوديّ من الرأسماليّة والثقافة الغربيّة والدين وسائر أشكال التأثير الأجنبيّ دفعة واحدة. وطُرد الأجانب كما أُغلقت السفارات وألغيت العملة استعجالاً للطوبى الشيوعيّة الأخيرة. أمّا الأسواق والمدارس والصحف والممارسات الدينيّة والمُلكيّة الخاصّة فحُرّمت هذه جميعاً واعتُمدت، في تحريمها، إجراءات عقابيّة قصوى. وقد قُتل من أمكن العثور عليه من أعضاء حكومة لون نول والموظّفين وضبّاط الشرطة العسكريّة والمعلّمين وذوي الإثنيّة الفيتناميّة وقادة أقليّة "شام" المسلمة والمصنّفين في عداد الطبقة الوسطى، لاسيّما متى اعتُبروا أيضاً مثقّفين. وهذه كلّها اندرجت في نطاق توليد "الإنسان الجديد". وفي المشروع الهيوليّ هذا، وهو امتداد الفعل المقاوم للأميركيّين و"عملائهم"، أُجبر سكّان البلد كلّهم على الإقامة في مجمّعات زراعيّة هي التي عُرفت لاحقاً بـ"حقول القتل" لكثرة الجثث التي تراكمت فيها. وفُصل، كذلك، أفراد العائلة الواحدة وحيل بين واحدهم والآخر، تذريراً قسريّاً لمجتمع ينبغي له ألاّ يتماسك، وبالقوّة ضُمّ الرهبان البوذيّون إلى "فيالق" العمل اليدويّ، كما أُخضع سكّان المدن السابقون إلى عمليّة تربية وإعادة تأهيل سياسيّتين، فيما شُجّع الصغار على التجسّس على الأهل والكبار. وباتت الجرائم التي تستدعي القتل تشمل التلكّؤ في العمل، وإبداء أبسط تذمّر من الوضع القائم، وجمع أطعمة أو سرقتها لغرض الاستهلاك الشخصيّ، وارتداء المجوهرات، والتورّط بعلاقة جنسيّة، والتعبير عن هوى دينيّ، والبكاء على أقارب أو أصدقاء قضوا. وفي سعي عُظاميّ ووسواسيّ إلى استقلال كامل، لا عن فيتنام فحسب بل عن سائر العالم أيضاً، شحذ النظام شفرته ضدّ "الأعداء الداخليّين المخبّأين"، ممن هم "طابور خامس" للخارج. وبدفعهم سكّان المدن بالقوة نحو الأرياف، ورفضهم التقنيّة الحديثة، تسبّبوا باستكمال انهيار الاقتصاد الوطنيّ، ما جعلهم أكثر فأكثر هذيانيّة. وفي واحد من خطاباته الموجّهة، عام 1976، إلى الرفاق الحزبيّين، تحدّث بول بوت عن "الجراثيم" داخل الحزب التي ناط بالثورة الاشتراكيّة أمر تدميرها. هكذا بدأت التصفيات التي ترتّب عليها إعدام عشرات آلاف الشيوعيّين أنفسهم. وآلت الأمور إلى صدام محتّم بالفيتناميّين الذين غزوا كمبوديا مجدّداً، والباقي معروف تستعرضه المحاكمة المتواصلة لـ"الخمير الحمر". وهي حالة باهرة في تحوّل الإحساس بالحقّ، متى استبدّ بصاحبه، استئصالاً لحقوق الكلّ، بما فيها حقّه هو.