هدّد الفلسطينيون مؤخراً بإعلان دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية من جانب واحد والتوجه إلى مطالبة مجلس الأمن للموافقة على الخطوة، وهم يعلمون أن مثل هذا القرار لا يمكن أن يصدر عن المجلس لأن أميركا ستستخدم حق "الفيتو"، وبالتالي فإن الخطوة محكومة بالفشل لناحية النتائج. إذاً لماذا هددوا بالإقدام عليها؟ وهي خطوة لا يمكن اللجوء إليها عدة مرات. هي ورقة قد تستخدم مرة واحدة ونهائية عندما يكون توافق دولي مبني على اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين لإقامة دولة فلسطينية. هكذا هو ميزان القوى والواقع الدولي الذي نحن فيه اليوم. الفلسطينيون وخصوصاً السلطة الفلسطينية وصلوا إلى طريق مسدود مع الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة أوباما. وهي الإدارة التي راهن عليها كثيرون في العالم وفي منطقتنا وفي فلسطين. وكان الرهان مبنياً على أمرين: التخلص من إرهاب إدارة الرئيس السابق جورج بوش وانحيازها الكامل لإسرائيل، والوعود التي أطلقها أوباما في خطاباته داخل أميركا وخارجها وخصوصاً خطاب القاهرة. لكن الممارسة أثبتت أن لا مكان لأي شيء في كل هذه الخطابات لجهة حل القضية الفلسطينية. فالإسرائيليون رفضوا كل شيء، ويقفون في موقع الهجوم ضد الفلسطينيين، حتى التجميد المؤقت للاستيطان رفضوه. ويصرون على يهودية الدولة وبقاء القدس العاصمة الأبدية لدولتهم! فماذا بقي أمام الفلسطينيين، والذين أصيبوا بصدمة كبيرة عندما سمعوا وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تعلن خلال جولتها الأخيرة في المنطقة (أنها لم تتمكن من إقناع الإسرائيليين، وهذا ما توصلنا إليه وعلى الفلسطينيين العودة إلى المفاوضات دون شروط مسبقة!)... علماً أن شرط تجميد بناء المستوطنات جاء بناء على طرح أميركي ووعداً أعطي لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ليستمر في التفاوض مع الإسرائيليين، وقد تجاوب مع كل المساعي الأميركية، لكنه وصل إلى طريق مسدود! الرئيس عباس أعلن عدم رغبته بالترشح إلى منصب الرئاسة مجدداً والانتخابات باتت قريبة. وكأنه يقول للأميركيين والعالم: لقد خذلتموني. لا أستطيع الاستمرار وأنتم لا تريدون التعامل مع "معتدلين" أو الملتزمين بالاتفاقات التي وقعت مع الإسرائيليين برعايتكم. بناءً عليه، أترك الساحة وليقف فيها "المتطرفون". تفضلوا وتفاوضوا معهم، أو تعاملوا معهم، أو تقاتلوا معهم... أو ... تحملوا أنتم المسؤولية. الخطوة تركت أثراً لأيام لكن سرعان ما تبدّد. فلعبة المصالح وموازين القوى أقوى وأكبر من مناورات عباس وهو غير قادر على التأثير ولا خيارات أمامه سوى التصرف على أساس الواقع القائم. قال الفلسطينيون: نذهب إلى دولة من جانب واحد. ربما يحرج الأمر الأميركيين لأنهم سيضطرون إما إلى منع وصول القرار إلى طاولة مجلس الأمن أو إلى استخدام حق "الفيتو" حول الطاولة، وبالتالي سوف يسيء الأمر إلى صدقية أميركا! هذا تبسيط للأمور رغم أنه حق في سياق ممارسة اللعبة السياسية واستخدام كل المناورات الممكنة. ولكن لو كانت أميركا حريصة على صدقيتها تجاه العالم والعرب والمسلمين لما فعلت ما فعلته في فلسطين، وحمت إسرائيل وغطت كل مجازرها وممارساتها وإرهابها واحتلالها واغتصابها للأرض الفلسطينية واستمرارها في هذا النهج واحتلالها واعتدائها المتكرر على لبنان، وتنكرها لكل القرارات الدولية، ولكل الالتزامات، والاتفاقات التي رعتها أو وافقت عليها أو صوتت معها في مجلس الأمن والأمم المتحدة. ولو كانت حريصة على صدقيتها وسمعتها وصورتها لما فعلت ما فعلته في العراق، وأفغانستان، وداخل أميركا من استهداف للمسلمين والعرب وسنّ قوانين أيام إدارة بوش تسمح بالتنصت، والملاحقة وتقييد حريات الناس فقط بسبب انتمائهم الديني أو العرقي أو بسبب لونهم. الأولوية بالنسبة إلى أميركا هي إسرائيل التي خرج قادتها ليحذروا الفلسطينيين من الإقدام على اتخاذ خطوة من جانب واحد، ويهددوهم بالمعاقبة في مثل هذه الحال بالاستمرار في الحصار والتعذيب ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات حتى داخل الضفة الغربية! وكأن ما تقوم به إسرائيل من ممارسات وما تتخذه من إجراءات لا يأتي من جانب واحد إنما أتى نتيجة اتفاق بينهم وبين الفلسطينيين! فالاستيطان والتوسع ومصادرة الأراضي والقمع والقتل وتهجير الناس من منازلهم في القدس وغيرها ومنع وصول الإمدادات لإعمار غزة، ومنع إدخال المواد الغذائية والطبية إلى المناطق الفلسطينية وحجز الأموال والمساعدات عن الفلسطينيين كل ذلك لم يكن تصرفاً حاقداً من جانب واحد بل جاء بالاتفاق مع الفصائل الفلسطينية المختلفة التي تريد فعلاً مثل هذه السياسات تجاه شعبها. أميركا وإسرائيل تحتقران القيم الإنسانية والأخلاقية، وتستخفان بكل شيء، وتصران على الحرب المفتوحة ضد الفلسطينيين رغم مخاطر هذا الأمر وانعكاسه على السلام في المنطقة والعالم وتسبّبه بمزيد من العنف والتوتر والإرهاب، الذي تدعّي أميركا حرصها على مواجهته. وللتأكيد على القيام بممارسات وخطوات من جانب واحد أعلنت إسرائيل استمرارها في بناء 900 وحدة سكنية في مستوطنة "جيلو"، واكتفى الأميركيون بإبداء الانزعاج في حين قال وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير: "هكذا كان الحال دوماً! وما دام الحال هكذا فلماذا لا يبقى، أي لماذا لا تستمر إسرائيل في ممارساتها ويدفع الفلسطينيون الثمن؟" كل ما قامت وتقوم به إسرائيل كان من جانب واحد ومدعوماً من قبل أميركا وحلفائها في الغرب. وفلسطين كانت الضحية. اليوم، يصلون إلى مرحلة يهددون فيها الفلسطيني إذا أبدى رأياً وليس إذا اتخذ أجراءً. فالرأي أيضاً هو موقف من جانب واحد! وبالتالي، من وجهة النظر الإسرائيلية، على الفلسطيني: قبل أن يفكر أن يسأل الإسرائيلي، وقبل أن يقرر أن يشارك الإسرائيلي، وإذا جاء الأخير لقتله عليه أن يستسلم أو أن يسأله ماذا أفعل؟ ليس ثمة ظلم أو إرهاب أو عنصرية أو قهر، كالذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني... ويسألون: لماذا الانتفاضات؟ لماذا المقاومة؟ لماذا الرفض؟ لن تصل الخطوة الفلسطينية إلى مراميها، بل قد تتوقف في بداية الطريق. لكن الأهم يبقى الاتفاق الفلسطيني– الفلسطيني. والوحدة الوطنية الفلسطينية التي تعزز الموقع والموقف الفلسطيني وتحمي أي خطوة... هنا تقع المسؤولية على الفلسطينيين لا على إسرائيل وأميركا والغرب المستفيدين بشكل أساسي من الانقسام الفلسطيني لتبرير ما يقومون به... قرار وحدة الموقف هو القرار الأهم الذي يجب أن يتخذه الفلسطينيون من جانب واحد، بل ليس ثمة جانب آخر يمكن أن يتخذه أو يشارك فيه... فليقدموا عليه .