ابتدأت صحيفة هآرتس الإسرائيلية افتتاحيتها يوم الجمعة الماضي بالقول "يبدو أنه ليس هناك دولة تملك شعورا بالصداقة نحو إسرائيل مثل تركيا" ثم تضيف بأن "تركيا هي البلد المسلم الوحيد الذي يحتفظ بعلاقات كاملة - بل ويمكن القول مثالية- مع إسرائيل". لماذا تقول الصحيفة الإسرائيلية كل هذا وأكثر عن تركيا؟ هذا يعكس العمق الذي وصلت إليه العلاقات بين الدولتين. ومن هذا المنطلق رأت الصحيفة أن استدعاء السفير التركي لدى إسرائيل، على خلفية ما اقترفته القوات الإسرائيلية من مذابح ودمار في رفح، مؤشر يفرض على الحكومة الإسرائيلية ألا تستخف بهذه العلاقة. فاستدعاء السفير، حسب الصحيفة، يمثل نوعا من المناشدة من قبل تركيا لصديقتها القديمة، إسرائيل، بأن "تلتفت حولها، وأن تعي ما يمكن أن يترتب على سياساتها التي ذهبت بعيدا ضد الفلسطينيين".
من الواضح أن هناك في إسرائيل من يريد أن يسمع صوت تركيا فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي. هل يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة للدول العربية التي أقامت علاقات مع الدولة العبرية، وخاصة الأردن ومصر؟
قارن هنا استدعاء السفير التركي مع الصمت الأردني والمصري. على العكس، بمجرد توقف المجازر الإسرائيلية، وتوقف تدمير المنازل في رفح، ذهب رئيس الاستخبارات المصرية، عمر سليمان، إلى تل أبيب في محاولة للتمهيد لمفاوضات إسرائيلية فلسطينية حول خطة شارون للانسحاب الانفرادي من قطاع غزة. تبدو الزيارة استكمالا سياسياً لعمليات عسكرية لم تتوقف نهائياً، وإنما علقت لتهدئة ردود الفعل الدولية الغاضبة. ربما قيل إن صدور قرار مجلس الأمن الأسبوع قبل الماضي بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في رفح جاء نتيجة لجهود المجموعة العربية في الأمم المتحدة. لكن هذا ليس دقيقا. فالقرار لم يكن ليصدر لولا أن المجتمع الدولي اكتشف مدى الدمار المروع الذي اقترفته حكومة السفاح شارون في غزة. وبالتالي كان لابد من صدور هذا القرار لكبح جماح دولة السفاح. كأن الموقف الرسمي العربي أخذ يتكيف مع شراسة السياسة الإسرائيلية، وعلى العكس من تركيا، أصبح غير آبه باستخفاف إسرائيل بعلاقاتها مع العرب.
وكم هو ملفت، وذو دلالة أن صحيفة إسرائيلية لم تخشَ الأثر السلبي للمجازر الإسرائيلية، والتمادي في تطبيق سياسة العقوبات الجماعية على علاقات إسرائيل ببعض العرب، بل من هذا الأثر على العلاقة مع تركيا. هذا يعكس اختلافا واضحا في طبيعة علاقة إسرائيل بكل من تركيا من ناحية، وبدول عربية مثل الأردن ومصر، من ناحية أخرى. فعلاقة مصر، مثلا، بإسرائيل ليست علاقة صداقة كما هي عليه علاقات تركيا بالدولة العبرية. لكن في الوقت نفسه، يعكس استخفاف إسرائيل بعلاقاتها العربية إدراكها للضعف العربي، ولغياب الإرادة السياسية العربية أمام طموحها في أن تصبح دولة إقليمية عظمى في المنطقة.
الموقف المصري بشكل خاص يثير الكثير من الاستغراب. فمصر دولة إقليمية كبيرة، وعلاقتها مع فلسطين هي علاقة استراتيجية، عدا عن أنها علاقة قديمة. وفلسطين في هذه المرحلة، أو دولة فلسطين إذا ما قدر لها أن ترى النور، هي الجسر الوحيد المتبقي لمصر مع منطقة الشام، وهي منطقة حيوية بالنسبة للأمن المصري، الذي هو جزء لا يتجزأ من الأمن العربي. والاستغراب ينبع من أن مصر تبدو حتى الآن أكثر ميلا إلى التعايش مع الهجمة الإسرائيلية الشرسة والمتوحشة منها إلى مواجهة هذه الهجمة، مواجهة سياسية وليس عسكرية كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان. وينبع الاستغراب كذلك من أن علاقة مصر مع إسرائيل هي ورقة في يد مصر وليس في يد إسرائيل. إسرائيل هي التي تحتاج مصر، وليس العكس. لكن حتى الآن يبدو الأمر على العكس من ذلك. يفسر الكثيرون هذا بالعامل الأميركي، وأن علاقة مصر بإسرائيل هي في الحقيقة امتداد لعلاقتها مع الولايات المتحدة. وهذا صحيح في جانب، لكن في جانب آخر لا يمكن إغفال أن مصر، ومنذ عهد السادات، تنظر إلى علاقتها بإسرائيل كدولة من دول المنطقة، وبالتالي يقتضي الأمر التعامل معها على هذا الأساس.
عندما قررت مصر السادات منذ عام 1977 أن الوقت حان لتطبيع العلاقة مع الدولة العبرية قدم لتبرير ذلك مبررات عدة، منها أن هذه العلاقات سوف تسمح لمصر بالتأثير على السياسة الإسرائيلية لمصلحة العرب، والفلسطينيين بشكل خاص. ويدعم هذا التبرير حقيقة أن مصر هي أكبر وأقوى دولة عربية، بالمعنيين الديموغرافي والعسكري، إلى جانب موقعها الاستراتيجي في المنطقة. ربما جاز القول الآن إن الوقت، ومعه مسيرة الصراع العربي- الإسرائيلي، لم تعد تسمح بالاعتراض على قيام علاقات استمرت الآن لأكثر من ربع قرن. بالإضافة إلى أن العلاقة مع إسرائيل امتدت لتشمل الفلسطينيين أنفسهم، ولحقهم الأردنيون، ثم بقية المهرولين من مثل تونس، وقطر وموريتانيا. لكن يبقى أن هذه المسيرة تحديدا تطرح، وبشكل مُلح، السؤال عن المردود الذي جاءت به هذه العلاقات لمصر، وللعرب والفلسطينيين بشكل عام. وبشكل أكثر دقة: هل سمحت هذه العلاقات لمصر، أكبر وأقوى دو