بعد أن فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت العتيق استجابة لأمر ربه عز وجل، قال مخاطباً ربه: رب قد فرغت، فأمره الله عز وجل أن يؤذن في الناس بالحج، فقال إبراهيم عليه السلام: يا رب ما يبلغ صوتي؟ فقال له عز وجل: أذن وعليّ البلاغ. قال إبراهيم عليه السلام: كيف أقول؟ قال الله: قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه أهل السماء والأرض واستجابوا ملبين: "لبيك اللهم لبيك". وأصبح البيت الحرام منذ ذلك الوقت يمتلئ بجموع الطائفين والراكعين والساجدين، متجهين إلى الله عز وجل بنداء واحد وصوت واحد وهدف واحد. والمتأمل في معاني ومقاصد شعيرة الحج سيجد أن هناك الكثير من المعاني الكبيرة والعظيمة، لذلك فالحج المبرور، كما قال الحسن رضي الله عنه، "أن يرجع الحاج زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة". إن من عظمة هذه الرحلة المباركة أن جعلها الله من أفضل وأبرّ الأعمال الصالحة التي يتعلم منها الفرد المسلم كيف يجاهد نفسه وكيف يطهرها... كيف يغير حياته إلى نوع من السلوك الرفيع والتدريب العملي الفعال من أجل الوصول إلى جوهر الإسلام. ومن مقاصد الحج أن يتمثل الإنسان المسلم كل شعيرة من شعائر هذا الركن العظيم، بداية من مغادرته بلده حيث يتصور الفناء والخروج من الدنيا، مروراً بلبس الإحرام متذكراً الكفن. أما إذا دخل المسجد الحرام فهو يستحضر رهبة المكان وفضل مكة على سائر بقاع الأرض وأن الله تعالى جعل العطاء فيها أضعافاً مضاعفة، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه". وعند الحجر الأسود يتذكر الحاج قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". وعند باب الملتزم يدرك أن الله قد يغفر له بصدق توبته وهو يسعى بين الصفا والمروة، كما يتذكر موقف أمنا هاجر. وحين يشرب من ماء زمزم يتذكر البئر التي انفجرت تحت قدمي سيدنا إسماعيل عليه السلام، وفرحة أمنا هاجر بهذا الماء ودعوة سيدنا إبراهيم: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم". وفي عرفات يتذكر يوم البعث والقيامة ويسترجع قول أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه وقف بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال: يا بلال انصت لي الناس. فقام بلال فقال: انصتوا لرسول الله، فأنصت الناس فقال: "معشر الناس أتاني جبريل عليه السلام آنفاً فأقرأني السلام وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التبعات". وكلما مر الحاج بمكان من تلك الأمكنة العظيمة، فإنه يستشعر روح وفقه المكان، فهنا نزل القرآن الكريم على الرسول، وهنا عقدت الجمعية التأسيسية لدولة الإسلام الأولى، وهنا انتصر الرسول... وإذا صلى، فإنه يتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "إن الله يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج". وبذلك يعود الحاج من حجه كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".