بعد أقل من ستة أشهر على ترقيته إلى رتبة رائد لأنه شخص "وطني"، وقف الرائد نضال، الأميركي من أصل عربي، في قاعدة "فورت هود" حيث يعمل طبيباً نفسياً، وهتف "الله أكبر" وأمطر رفاقه بنحو 100 رصاصة، قتلت 13 شخصاً وجرحت 38 آخرين. وعُزيت الدوافع إلى شعور نضال بالضيق بسبب قرب سفره للخدمة في أفغانستان، ومعارضته للحربين في أفغانستان والعراق، واعتقاده بوجود عداء ضمني للإسلام وسط العسكريين الأميركيين. ما فعله نضال ليس عجيباً في بلاد العنف والقتل العشوائي، لكن نضال حالته خاصة، فلم يكن أمامه خيارات أخرى، وأي شخص كان في مكانه، في أي مكان من العالم، سيفعل مثله. كانت بداية نضال مع دخوله الجيش بعكس رغبة والديه المهاجرين، فربما توقعا اليوم الذي سيشعر فيه ابنهما أن عمله يمثل مشكلة في حياته. ثم وجد نضال صعوبة في التكيف بعد موت والديه، و"انغمس في قراءة الكتب الإسلامية"، بحسب أحد أعمامه. وهذا "الانغماس" من الطبيعي أن يجعل الفكر مثل سيارة لا تسير إلا في اتجاه واحد. ويقول جده الذي يعيش في فلسطين إن حفيده لم يكن مهتماً بالسياسة ولا يحب مشاهدة التلفزيون. ومن لا يبالي بالسياسة ولا التلفزيون قد يجهل أن الحرب في أفغانستان أثمرت عن حكومة أفغانية بعد سنوات من الفوضى والدمار والاقتتال الداخلي واستضافة المنظمات الإرهابية على حساب مصلحة الشعب ومستقبل أبنائه. ويجهل أن غزو العراق جاء بحكومة هي في أسوأ الأحوال أفضل من الحكم السابق، وأن الغزو، وبرغم كل شيء، فتح باب الأمل أمام العراقيين في مستقبل أفضل، بينما لم يكن هناك باب بوجود نظام "صدام وأولاده وإخوانه ذات اللامسؤولية اللامحدودة". ويضيف الجد أن حفيده كان يحب أميركا التي يعود لها الفضل لما هو عليه الآن. لكن المواليد في بلد ما لا يفكرون كما يفكر آباوهم المهاجرون، فالمهاجر يقدّر ويثمّن ويقارن ثم يقبل يديه "وش وظهر"، بينما المولود في بلد قد لا يحسبها بهذه الطريقة. ووجد نضال نفسه محاطاً بجيران يسخرون منه، فأحدهم وضع حفاظة أطفال على سيارته وقال: "هذا هو غطاء رأسك"، وقام بخدش السيارة ومزّق ملصقاً دينياً كان يضعه على سيارته. فنضال نسي أنه من أصل عربي ومسلم، وأن "التعصّب صفة أصيلة في العقل البشري، وأن الحياد أمر طارئ عليه" كما تشير الأبحاث الحديثة. وفوق هذا، كان نضال يمشي بين جيرانه بملابس إسلامية وفي يده مصحف، من دون أدنى حساسية أو مراعاة للمثل القائل: "كل ما يعجبك والبس ما يعجب الناس"، فلماذا الإصرار على ارتداء الملابس الأفغانية -التي هي ليست إسلامية على كل حال- في ولاية مثل "تكساس"؟ وأين مداراة الناس وأخذهم على قدر عقولهم التي تعتقد أن المسلمين يتحينون الفرصة لذبحهم؟ وجاء الإنترنت ليزيد الطين بلة على رأس نضال، فقد ارتبط بعلاقة مع العولقي، وهو إمام أميركي من أصل يمني، يدير من مخبئه في اليمن موقعاً إلكترونياً يحرض فيه على قتل الجنود الأميركيين في العراق. نضال ضحية الظروف التي خلقها بنفسه لنفسه، فهو منغلق دينياً ولا يتابع ما يدور في العالم إلا من خلال مواقع الإرهابيين، وفوق هذا، يعمل بإرادته في الجيش ثم يرفض توجهات المؤسسة التي أقسم بالولاء لها، ويتحدى المجتمع الذي يعيش فيه بارتدائه ملابس غريبة، ثم يشكو من الاضطهاد، ثم يصاب بالإحباط، ثم ينسى كل ما تعلمه في الطب النفسي ويعتقد أن الطريق إلى الخلاص مفروش بجثث رفاقه وخيانة وطنه.