هناك إجماع بين المفكرين في مختلف أنحاء العالم على أن العولمة هي العملية التاريخية التي باتت تملأ الدنيا وتشغل الناس! وهي تعبر في المقام الأول عن النقلة الحضارية الكبرى من نموذج المجتمع الصناعي الرأسمالي، الذي كان يقوم أساساً على فكرة السوق وآلية العرض والطلب، إلى نموذج مجتمع المعلومات العالمي الذي يقوم على فكرة الفضاء المعلوماتي، والذي هو مجال عام جديد تمام الجدة، يتم فيه التدفق السريع للمعلومات والأفكار والمعرفة من مكان لآخر على مستوى الكون من دون حدود ولا قيود. وللعولمة تجليات متعددة ولا تنحصر فقط في العولمة الاقتصادية التي استأثرت بالاهتمام البالغ من قبل النخب السياسية والجماهير على السواء، بحكم ارتباطها الوثيق بالسوق الحرة وازدياد المعاملات الرأسمالية، وإلغاء تدخل الدولة في المجال الاقتصادي، وفتح الباب واسعاً وعريضاً أمام القطاع الخاص، وما أدى إليه ذلك كله من تراكم رأسمالي كثيف من ناحية وتهميش اقتصادي واسع المدى من ناحية أخرى لطبقات اجتماعية متعددة. والواقع أن للعولمة تجليات سياسية بالغة الأهمية، وهي تنحصر في شعارات ثلاثة أساسية وهي الديمقراطية واحترام التعددية واحترام حقوق الإنسان. وهكذا أصبحت الديمقراطية في مقدمة الشعارات المرفوعة التي ينادي المجتمع العالمي في عصر العولمة بضرورة تطبيقها في كل الدول، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال النظم الشمولية والتدهور الشديد في أحوال النظم السلطوية، مما فتح الطريق أمام عملية تحول ديمقراطي عالمية وواسعة المدى. وكان لا يمكن للعالم العريي ألا تشمله الموجة الثالثة من موجات الديمقراطية إذا ما استخدمنا عبارة صمويل هنتنجتون - في دراسة شهيرة له. ومن هنا تثار بشأن الديمقراطية في العالم العربي أسئلة متعددة أجادت الباحثة الأميركية مارينا أوتاوي إثارتها في دراسة لها بعنوان "تقييم الإصلاح في الشرق الأوسط هل هو حقيقي أم شكلي؟" (راجع كتاب "ما يتعدى المواجهة" تحرير ماريتا أوتاوي وخوليا شقير، دار النهار، 2008). تساءلت أوتاوي "هل تمر البلدان العربية حقاً في مرحلة إصلاحات سياسية؟ هل تصبح أكثر ديمقراطية؟ هل يمكن مساعدتها أو إجبارها من الخارج على فتح أنظمتها السياسية لتصبح أكثر ديمقراطية؟ والواقع أن هذه الأسئلة تثير بعض الجوانب الأساسية للمشكلة الديمقراطية في العالم العربي. ويمكن القول إن البلدان العربية بدرجات متفاوتة تمر بالفعل في مرحلة إصلاحات سياسية، سواء كان ذلك في المشرق أو المغرب أو الخليج. وهذه الإصلاحات تتم بإيقاع مختلف من بلد لآخر، تحت تأثير مطالب الداخل وضغوط الخارج. ونقصد بمطالب الداخل تصاعد الطلب على الديمقراطية داخل المجتمعات العربية المختلفة من قبل الساسة المعارضين للأنظمة، والمثقفين على اختلاف أنماطهم، ومؤسسات المجتمع المدني. ويمكن القول إن إحياء مؤسسات المجتمع المدني في بعض البلاد مثل مصر وتونس والمغرب، يعد من أبرز الظواهر السياسية التي ظهرت في العقود الأخيرة وأضفت حيوية غير مسبوقة على الممارسة السياسية في هذه البلاد. كما أن تأسيس منظمات مدنية في بلاد عربية أخرى لم تعرفها من قبل، يعد إضافة مهمة للرصيد الديمقراطي. وإذا أضفنا إلى ذلك ظهور آلاف المدونات على شبكة الإنترنت، التي يدونها شباب عربي ينتمون إلى تيارات أيديولوجية شتى يمينية، ويسارية، ويمارسون فيها النقد الاجتماعي والمعارضة السياسية على السواء، من علامات الديمقراطية في عصر العولمة. وليس هناك من شك في أن أحد العوامل المهمة التي أثرت في تصعيد الاهتمام بالديمقراطية العربية الأحداث الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر 2001 ضد الولايات المتحدة الأميركية، والتي قام بها إرهابيون عرب ومسلمون. واستخلصت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس السابق جورج بوش نتيجة أساسية، مبناها أن النظم السلطوية العربية التي مارست القمع ضد الجماهير عموماً والشباب خصوصاً وسياساتها الاقتصادية الفاشلة التي أدت إلى تفاقم مشكلة البطالة، هي التي أدت إلى شيوع الفكر المتطرف، والذي أدى من بعد إلى الإرهاب. ومن ثم فمواجهة الإرهاب لا يغني فيها الاقتصار على المواجهات العسكرية أو الأمنية في سياق "الحرب ضد الإرهاب" التي أعلنتها الولايات المتحدة الأميركية، ولكن لابد من تحويل النظم السلطوية العربية إلى نظم ديمقراطية، حتى ولو كان ذلك باستخدام الضغوط السياسية والاقتصادية العنيفة ضد مقاومة هذه النظم. ومن هنا ثار السؤال هل يمكن حقاً فرض الديمقراطية فرضاً من الخارج؟ وهذا الموضوع أصبح مثار جدل شديد بين الحكومات العربية والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، على أساس أن هذا الضغط الخارجي يمثل مساساً بالسياسة الوطنية، ولا يراعي اعتبارات الاستقرار السياسي، ولا يحفل بخصوصية التاريخ الاجتماعي لكل بلد عربي. وهذا الجدل لم يقتصر فقط على الحكومات العربية والقوى الغربية، ولكنه امتد إلى دوائر المثقفين العرب، الذين رفض بعضهم هذا التدخل الأجنبي وشككوا في السلطة الأخلاقية التي تخول الولايات المتحدة القيام بالضغط على الدول العربية، في حين قبل البعض الآخر هذا التدخل بل وطالبوا بمضاعفته لإجبار النظم السلطوية العربية على أن تتحول لتصبح ديمقراطية. وبغض النظر عن هذه الخلافات المعقدة فيمكن القول إن بعض الحكومات الغربية بدأت بالتفاعل الإيجابي مع الضغوط الأميركية باتخاذ خطوات نحو الإصلاح السياسي. ومن أبرز الأمثلة مصر حيث أدخلت تعديلات دستورية مهمة أبرزها جعل الانتخابات الرئاسية تنافسية لأول مرة في تاريخ مصر السياسي، بمعنى الاقتراع المباشر على رئيس الجمهورية وإلغاء نظام الاستفتاء القديم. كما أن بعض الدول الخليجية أنشأت مجالس للشورى لم تكن موجودة من قبل، ويجري تطويرها بالتدريج، ليصبح بعض أعضائها بالانتخاب وليس بالتعيين. ويبقى السؤال المهم هل هذه الإصلاحات السياسية مهمة أم هي إصلاحات شكلية؟ وكيف يمكن الحكم على جذرية الإصلاحات في غياب قواعد متفق عليها يمكن من خلالها تقدير أهمية الإصلاحات؟ وبالرغم من أهمية هذه المعايير المقترحة، فإننا أمام مشكلة مهمة هي التفاوت الكبير في "النضج" السياسي والاجتماعي للمجتمعات العربية المتعددة. بعبارة أخرى لا يمكن التعميم بسهولة على كل البلاد العربية وضعاً في الاعتبار الخصوصية الفريدة لكل بلد عربي. ومن هنا قد يكون المنهج الأمثل لدراسة المشكلة الديمقراطية في العالم العربي إجراء دراسات حالة للدول واكتشاف جوانب التشابه والاختلاف تمهيداً لصياغة تعميمات عامة.