رغم تراجع الحملة التي شنت في وسائل الإعلام الأجنبية حول حقيقة الأوضاع الاقتصادية في دولة الإمارات، فإنه لا زالت هناك بعض الجهات التي لا تريد رؤية الحقائق كما هي وبصورة موضوعية. وفي المقابل يأتي الرد الإماراتي على شكل تنفيذ مشاريع عملاقة في أوقاتها المحددة، وتسديد الالتزامات المالية دون تأخير، وزيادة الإنفاق العام كما حدث مؤخراً من خلال إقرار أكبر ميزانية في تاريخ الإمارات لعام 2010 بحجم بلغ 43.6 مليار درهم (11.9 مليار دولار)، هذا عدا عن موازنات الحكومات المحلية، وبالأخص في إمارتي أبوظبي ودبي. كيف يحدث ذلك في ظل أزمة مالية عالمية خانقة وفي ظل تراجع الإنفاق وتقليصه في معظم بلدان العالم؟ بالنسبة لنا الإجابة معروفة ومفهومة أيضاً، فمنذ البداية حددنا مدى تأثيرات الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية، كما بينا الأساليب الخاصة بمحاصرة تداعيات الأزمة وكيفية الخروج منها قبل الآخرين، لكن وجهة النظر الموضوعية هذه ضاعت في البلبلة التي اختلقتها وسائل إعلام متنفذة، بل اتهمنا بالمبالغة في التهوين من تداعيات الأزمة. أجمل ما في الرد الإماراتي أنه يأتي من خلال الأرقام والبيانات واستكمال المشاريع وفق الجداول الزمنية المقررة قبل الأزمة، وذلك إذا ما استثنينا بعض المشاريع العقارية التي ظلت على الورق، إذ من الحكمة تأجيلها في ظل الأزمة العالمية. آخر هذه الردود المدعمة بالبيانات جاءت من خلال ميزانية الحكومة الاتحادية لعام 2010 دون عجز والتي بينت زيادة في الإنفاق بنسبة 4.3 بالمئة مقارنة بإنفاق عام 2009 مع تحقيق إنجاز آخر تمثل في زيادة التمويل الذاتي للميزانية من خلال تنمية الإيرادات الاتحادية، وذلك وفق برنامج وضعت خطوطه العامة قبل سنوات. وإذا ما عرفنا أن النشاط الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي يتوقف إلى درجة كبيرة على حجم الإنفاق الحكومي، فيمكننا تصور حجم النشاط الاقتصادي المتوقع في عام 2010 والذي سيشكل نقلة أخرى على طريق تجاوز ترسبات الأزمة المالية العالمية. وإضافة إلى الإنفاق على المشاريع التنموية، والتي استحوذت على أكثر من 17 بالمئة من مجموع الميزانية، فإنه تم إقرار مخصصات كبيرة للخدمات التعليمية والصحية والإسكانية، وهو ما يتيح إمكانيات كبيرة لتنشيط الأوضاع الاقتصادية. فالإنفاق على المشاريع عادة ما يؤدي إلى تنشيط قطاع الأعمال بشكل عام، بل يعتبر البداية الحقيقية للانتعاش. لقد بدأت بعض المؤشرات الإيجابية بالبروز مع نهاية العام الحالي، بما في ذلك تحسن أسواق المال المحلية، وزيادة أرباح الشركات والبنوك المساهمة، وارتفاع أسعار الأراضي والعقارات بنسب متفاوته في مختلف إمارات الدولة. وإذا كانت الأزمة المالية العالمية لم تستثن بلداً في العالم، فإننا أكثر من استفاد من التسهيلات المالية التي توفرت في فترة ما قبل الأزمة، كما أننا أول من وضع الأزمة العالمية خلف ظهره متجاوزاً تداعياتها مع وضع حلول لمعالجة سلبياتها على كل الصعد، بما في ذلك بعض التجاوزات المالية لبعض الشركات والمؤسسات المحلية، ما عزز من شفافية التعاملات العامة. والحال، أن الاقتصاد وحدة متكاملة لا يمكن النظر إلى مكوناته بصورة منفصلة عن بعضها بعضا، فذلك يؤدي إما إلى الخروج باستنتاجات خاطئة، أو اتخاذ قرارات خاطئة، وفي كلتا الحالتين تكون النتائج غير متوقعة. د. محمد العسومي