بقي جدار برلين الذي شيده السوفييت في أغسطس 1961 يمثل، ولأكثر من ثلاثة عقود متتالية، انقسام العالم أو تقسيمه بين معسكرين متنازعين أيديولوجياً وسياسياً واقتصادياً، وأمنياً كذلك. وعندما بدأت رياح التغيير تهب على أوروبا الشرقية والاتحاد السوفييتي، كان تقويض الجدار رمزاً لعملية ستتجاوز في نتائجها وغاياتها ما كان يحلم به الناشطون الألمان. فما حصل في 9 نوفمبر تشرين الأول 1989 لم يفض إلى استعادة الوحدة الألمانية وتوحيد عاصمتها التاريخية برلين فحسب، لكنه أكثر من ذلك وقبل ذلك، عبّر عن تقدم عالمي على مسارين كبيرين: نهاية الحرب الباردة التي صار جدار برلين رمزاً لها من جهة، واندثار التكتل الشيوعي بنظمه الشمولية في روسيا وعموم أوروبا الشرقية. وهكذا أثار سقوط جدار برلين تفاؤلا واسعاً لدى الرأي العام بأجمعه، وصار رمزاً للحرية والسلام. وإثر ذلك بشّر العديد من المفكرين بمرحلة جديدة من الازدهار قوامها الخروج من مناخ الانقسام والحرب والتفاهم والتعاون، لتوفير الموارد والطاقات البشرية في عموم المعمورة... بيد أن هذه الآمال سرعان ما تبددت بعد أن فسرت التيارات اليمينية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة الأميركية اندثار الاتحاد السوفييتي على أنه دعوة لها لتسلم القيادة العالمية والانفراد بإدارة السياسة الدولية، وفي النتيجة بسط سيطرتها العالمية الأحادية. وفي سياق العمل لقطع الطريق على ولادة التعددية القطبية التي تعني بالضرورة إدارة الشؤون الدولية على أساس التفاوض والحوارات متعددة الأطراف، ومن أجل التحكم بأوضاع وموارد استراتيجية حيوية، انتعشت النظريات القديمة التي عمل عليها "المحافظون الجدد"، ولقيت قبولا متزايداً من قبل النخب وأوساط الرأي العام الأميركي. وكان محور هذه النظريات دفع الولايات المتحدة، في سبيل تأكيد زعامتها العالمية ووضع اليد على عوامل تعزيزها وإدامتها، إلى خوض الحروب الجديدة التي لاتزال غارقة فيها إلى اليوم. وكان من المنتظر أن تكون ساحة النزاع الرئيسية الجديدة المشرق العربي، حيث تكمن أهم أوراق اللعب الاستراتيجية من أجل تأكيد السيطرة العالمية، وفي مقدمها الطاقة النفطية الفائضة والمواقع الاستراتيجية الحيوية. وهكذا حل الإسلام محل الشيوعية في ثنائية الصراع بين الخير والشر، وولدت حرب باردة جديدة بين الغرب الأطلسي وعالم الإسلام، حلت محل الحرب الباردة القديمة التي دارت بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وتحولت بسرعة إلى حروب ساخنة مدمرة. وفي مناخ هذه الحرب نشأت الحركات الجهادية وتوجهاتها العالمية، وظهرت نظريات الحرب العالمية ضد الإرهاب على أيدي المحافظين الجدد في واشنطن، وشُنت الحرب ضد العراق كمقدمة لعملية إعادة هيكلة وتركيب الشرق الأوسط الذي جرى توسيعه ليغطي حدود انتشار الإسلام كلها تقريباً. وفي هذا المناخ أيضاً سيطرت التيارات الأشد عنصرية في إسرائيل، وتعزز دور تل أبيب كرأس حربة في الحرب العالمية ضد الإرهاب، وشُيد جدار الفصل العنصري في فلسطين كتجسيد لتوجهات المرحلة. والحقيقة أن الجدار لا يعكس سعي إسرائيل إلى إقصاء الفلسطينيين من أرضهم فحسب، وإنما أيضاً يجسد القطيعة التي أرادها "المحافظون الجدد" بين عالم الإسلام، الموسوم بالتطرف والإرهاب، وعالم الغرب الذي تنتمي إليه إسرائيل والذي يطرح نفسه مثالا للديمقراطية والحرية والإنسانية. وكان من نتيجة ذلك إطلاق يد إسرائيل وآلتها العسكرية في المشرق، والتضحية بـ"مشروع السلام" والمفاوضات السياسية التي أطلقها الغرب ذاته في مؤتمر مدريد عام 1991، وتسارع وتيرة الاستيطان اليهودي كما لم يحصل في أي حقبة سابقة. وكما عملت الحرب الباردة القديمة على بناء النظم الشمولية وكرستها، ستقود الحرب الباردة الجديدة إلى تعزيز النظم الاستبدادية وتدعيمها. فلم تفض استراتيجية إعادة هيكلة الشرق الأوسط، انطلاقاً من الحرب على العراق، إلى تدمير هذا البلد وزعزعة التوازنات الإقليمية فحسب، بل أكثر من ذلك، أجهضت الإرهاصات الديمقراطية التي كانت آخذة في التبلور، بقدر ما جعلت من دمقرطة الأنظمة العربية أداة لتبرير السيطرة الأجنبية والاحتلال. وهكذا تحول حلم الحرية الذي ارتبط بسقوط جدار برلين إلى كابوس تغذيه حالة الفوضى وانعدام الأمن والنزاعات الطائفية والعرقية المنفلتة. وهو ما أصبح مبرراً في نظر الدول الصناعية الكبرى وقطاعات واسعة من الرأي العام العربي ذاته، للتمسك بالنظم الديكتاتورية التي كان تغييرها هدفاً للحملة الأميركية على الشرق. وفي سياق هذه الفوضى وزعزعة أسس قيام الدول واستقرارها، ستنتقل الجدران والحروب إلى داخل العواصم العربية ذاتها، كما يشير إليها بناء الجدار الذي يعزل "المنطقة الخضراء"، مقر السلطة والسياسة والنخبة القيادية، عن الشعب، في العراق ذاته الذي أراد له الأميركيون أن يكون مركز عملية التغيير الديمقراطي في الفضاء الإقليمي برمته. لكن لا ينبغي لهذا الجدار المادي أن يخفي الجدار الأكبر الذي أقامته الحرب الباردة الجديدة، أعني تعزيز نظم الديكتاتورية والاستبداد. فليس لهذه النظم معنى آخر سوى إقامة الحواجز الأمنية والنفسية والسياسية بين النخب الحاكمة والشعب، وتكريس حرمان الأفراد من حق المواطنة، بما تعنيه من مشاركة في تقرير السياسات المتعلقة بمصيرهم الجماعي ومصير أي فرد منهم. ليس من المبالغة القول إذن، إن نهاية الحرب الباردة، كما جسدها سقوط جدار برلين عام 1989، لم تسفر عن انبثاق الحرية وروح التعاون والسلام في الشرق الأوسط، لكنها كانت بالعكس مقدمة لإطلاق حرب باردة وساخنة جديدة، ستدفع إلى تشييد جدران عازلة أخرى، وتكرس ديكتاتوريات، وتدعم نظم استبداد وتجدد شبابها. من هنا، عندما يحتفل العالم بعيد انهيار جدار برلين، باعتباره رمزاً لزوال الحرب الباردة وعودة السلام والتفاهم والتعاون في أوروبا واستكمال عملية التحول الديمقراطي فيها، يشعر العربي بأسى عميق. فهو لم يحرم من ثمار زوال هذه الحرب التي استفادت منها الأقطار الأوروبية فحسب، لكنه يدرك أن هذا الحرمان، وما ارتبط به من مآس لا تحصى مما عرفته الشعوب العربية خلال العقدين الفائتين، يأتي ليستكمل مساراً طويلا من التهميش الاستعماري، ويكرس ما ينبغي تسميته بالإقصاء المقصود أو غير المقصود للعرب من مسيرة السلام والازدهار والدمقرطة العالمية هذه. وليس لمصطلح "الاستثناء" الذي زاد استخدامه في السنوات الأخيرة لوصف حالة العرب، سوى هدف واحد هو تبرئة الغرب، والولايات المتحدة في مقدمته، من مسؤوليتها عن غياب السلام والاستقرار والتحول الديمقراطي في هذا الجزء من العالم. وقول ذلك لا يعفي العرب من مسؤوليتهم في ما حصل لهم، ولا يبرر ردود أفعالهم السلبية، غير الخلاقة وغير الناجعة، على السياسات التي تستهدف استقرار مجتمعاتهم ومصالحها الاستراتيجية ومستقبلها. وجوهر هذه المسؤولية الاستقالة السياسية والتسليم بالأمر الواقع، أي القبول بالعجز والتكيف البسيط مع الاستراتيجيات الدولية التي تستهدفهم، بدل التفاهم والتكتل لبلورة رؤى واستراتيجيات عقلانية وناجعة لمواجهتها والرد عليها. إن مسؤوليتهم تكمن في أنهم لا يزالون قابلين بموقف الاستجابة الآلية ورد الفعل، ومحاولة الحفاظ على أوضاعهم كما هي. وهو ما يشير إليه تعميم نظم الأمن والمراقبة والحراسة وإقامة العوازل والحواجز المرئية وغير المرئية.