في عصر السماوات المفتوحة والإعلام الحر والتنافس لجذب المشاهدين، بطرح الموضوعات الحيوية والأحداث المهمة للنقاش الموضوعي والعقلاني، ووضعها تحت المجهر الإعلامي لزيادة الوعي العام بالقضايا الوطنية، وصياغة الرأي العام، والمساهمة في نشر المعرفة، وممارسة دورها المنشود في العمل كسلطة رابعة، لكشف مواطن القصور والضعف في السياسات والاستراتيجيات القومية المتبعة، تحولت القنوات الفضائية العربية إلى سوق قريش ، كل ينادي على بضاعته بأعلى صوت، وينعتها بأفضل الأوصاف، ويحاول أن يضفي عليها صفة التميز، ولكن عندما يتفحصها المشاهد، يجدها تفتقد إلى أقل قدر من الاحتراف، وأنها ذات ضعف بنيوي، ولا تحمل شيئاً من أسس العمل الإعلامي المتعارف عليها، ولا تتصف بأي قدر من المصداقية أو التميز·
فقد اختلطت المفاهيم وتداخلت الاختصاصات، ولا توجد استراتيجية واضحة لصياغة فكر المشاهد وتكوين رأيه، ولذلك أصبح المتلقي تائهاً في رؤاه للأحداث، وفاقداً لتوجهاته ودوره في صنع السياسات العامة، بعد أن أصبح مغيباً عن قضاياه بفعل فاعل مع سبق الإصرار والترصد، فمن هو هذا المتهم؟! إنه الخبير!
إن المتتبع لبرامج الفضائيات العربية يجدها صاحبة ابتكارات عجيبة لا تنتمي إلى عالم الإعلام الحقيقي في شيء، فبين الفينة والأخرى تخرج علينا هذه الفضائيات بمصطلحات ومسميات مختلفة، معظمها لا يعكس واقع الحدث أو خبرة الشخصية التي تناقش هذا الحدث، وأكبر مثال على ذلك المسميات التالية التي تتغير حسب الحدث ونوعه، وليس وفق الشخصية وتأهيلها الحقيقي وخبرتها الواقعية· فمسميات مثل خبير استراتيجي، وخبير سياسي، وخبير عسكري، ومحلل اقتصادي، ومحلل سياسي، وخبير في الشؤون العراقية، وخبير في الشؤون الدولية، لا تعكس في الواقع ما تحمله هذه الصفات من معانٍ، بل إن هذه المسميات تختلف للشخص الواحد من حدث إلى آخر، وينطبق عليه وصف بتاع كله ، فهو الخبير في كل شيء، من الإبرة إلى الصاروخ، وبذلك يفتقدون المصداقية من ناحية، ويصبح ما يرددونه، في كثير من الأحيان، أقل كثيراً مما يعرفه رجل الشارع العادي من ناحية أخرى، وكأن الأمر لا يحتاج إلى عناء إحضار خبير أو غيره، وفي هذه الحال يجب أن يكون شعار هذه الفضائيات أن السكوت من ذهب·
كما توجد أمثلة أخرى كثيرة· فخلال الأشهر الماضية شاهدت في إحدى الفضائيات صحفياً قد تحول إلى خبير استراتيجي أثناء الحرب على العراق، وكانت له صولات وجولات في طرح سيناريوهات النصر والهزيمة، وتأكيد التنبؤات بأحداث وتطورات لا محالة واقعة· وبالطبع ظهر أن كلها كلام فارغ المضمون للترويج الإعلامي، ولم يتحقق منها أي شيء· ثم تحول إلى خبير سياسي بعد انتهاء العمليات العسكرية، وبات يفتي في السياسات الخارجية، بل والداخلية أيضاً، ويوزع تقديراته الخاصة على سياسات وقادة الدول العظمى والكبرى والصغرى، ويتهمهم بصفات غريبة من قاموس يعرف وحده مفرداته، ويطلق أحكامه على مختلف أنظمة الحكم، فهذا ليبرالي، وذاك تسلطي، والآخر ديكتاتوري أو عميل، بينما هو نفسه ديمقراطي، إلا أنه لا يقبل الرأي الآخر· ثم فجأة ومن دون مقدمات أصبح خبيراً اقتصادياً يناقش ويحلل ما دار في اجتماعات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي عقدت في دبي، وطالما أتاحت له الفضائيات الفرصة ليتغير مع الأحداث دون رقيب أو حسيب، لأن الرزق يحب السعي·
وفي مثال آخر نجد شخصاً عاطلاً عن العمل قد أصبح خبيراً سياسياً ثم خبيراً استراتيجياً ثم خبيراً في أسلحة الدمار الشامل، لأنه يجاري الموجة، وطالما لا يجد ما يعمله، فهي فرصة ليكون تحت الطلب ويقوم بدور أي خبير، ويوفر متطلبات الحدث الإعلامي، فهو جاهز دائماً·
لقد زاد عدد الخبراء في العالم العربي نتيجة لمتطلبات السوق، ولا يقتصر الأمر على خبراء الحدث أو حدث الخبير ، بل إن هناك مجموعة أخرى من الخبراء الدينيين والنفسيين والأغذية، وهناك أيضاً خبراء في السحر والشعوذة وتحضير الأرواح·
وكلهم خبراء يفهمون في كل شيء، وعلى المشاهد أن يسمع ولا يناقش، ولا يعترض على خبير الخبراء الذي فرضته عليه القناة الفضائية العربية، ولماذا يتساءل عن مواصفات الخبير الذي يحتاج إلى الجمع بين العلم والدراسة والممارسة واكتساب الخبرة العملية في مجال عمله، وعليه المتابعة المستمرة والمثابرة للاطلاع على كل ما هو جديد، بل ويجب أن تكون له مساهمات علمية أو بحثية أو استشارية في تخصصه·
وعلى كثرة خبراء الفضائيات، فإننا يمكن أن نصنفهم في أربعة أنواع، إما أنهم خبراء حقيقيون، ولكن في مجالات وموضوعات وقضايا أخرى غير التي يتحدثون عنها، ولذلك من الأجدى لهم التمسك بتخصصاتهم الأصلية، وألا يحيدوا عنها تحت ظروف العمل التجاري، أو أنهم خبراء قد عفا عليهم الزمن في تخصصاتهم لأنهم توقفوا منذ عقود عن القراءة والتحصيل، فحاولوا أن يستثمروا سمعتهم السابقة، ويستفيدوا من حاجة الفضائيات إلى خبراء تحت الطلب ويغطوا كل المجالات، فافتقدوا التخصص، لأن المثل الإنجليزي الشهير يقول إن الخبير في كل شيء لا ي