بعد عشرة أشهر من تسلم إدارة الرئيس أوباما مقاليد السلطة في واشنطن، وعقب فوزه بجائزة نوبل للسلام، واختياره "الشخص الأكثر تأثيراً في العالم" من أصل 67 شخصاً، يبقى الانتظار هو سيد الموقف حتى الآن. وهو انتظار يعتبره البعض تردداً وعدم حسم، ويعتبر هاتين الصفتين سمتين تطغيان على مقاربة إدارة أوباما للقضايا الملحة التي ما زالت في مجملها ترسم واقع ومستقبل الإدارة المثخنة بإرث معقد، واستحقاقات حربين، وطموح للتغيير ما زالت دونه تحديات ترزح تحت وطأتها الإدارة الفتية التي حملت لواء "التغيير" الذي يبدو اليوم شعاراً وليس واقعاً. صحيح أنه من المبكر الآن إصدار حكم موضوعي على إدارة أوباما التي تعمل على صياغة استراتيجية في حزمة ملفات ضاغطة من قبيل العلاقة مع روسيا، والتحدي في أفغانستان وباكستان، وصولاً إلى ملفات إيران والصين، ومعتقل جوانتانامو. غير أن ذلك "التغيير" الذي تفاءل به الكثيرون في الداخل الأميركي والخارج معاً، بدأ يتراجع. والترقب ما زال هو سيد الموقف لدى الأميركيين الذين يعولون على أوباما لحل قضاياهم الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة. وهذا أيضاً هو حال الملايين في الخارج، الذين رحبوا بأوباما وهتفوا لانتصاره واستقبلوه في أوروبا وآسيا ومنطقتنا، بتفاؤل وطموح، على أمل أن ينجح بواقعيته وجذوره الإسلامية في إحداث التغيير الحقيقي بما يسمح بتحقيق الاختراقات والمساعدة في إنقاذ المنطقة من حافة الهاوية والحروب والمواجهات وانسداد الأفق. ولكن الأوضاع راوحت نحو "التشاؤل" في أحسن الأحوال. وبدأ الإحباط وإعادة الحسابات يطغيان على التفاؤل والثقة بأن إدارة أوباما ستكون مختلفة. وضاع وسط الزحام والتناقض الذي يصبغ مواقف الإدارة المنهمكة بالشأن الداخلي، بريق خطاب أوباما في القاهرة الموجه للعالم الإسلامي، وتطميناته التي صدقناها. ولكن للأسف بسبب الحصاد المتواضع للإدارة سواء في عملية السلام، أو في الضغط على إسرائيل لتجميد الاستيطان، واعتذار رئيس السلطة الفلسطينية عن الترشح، وعودة دوامة العنف للعراق، وعدم حسم الاستراتيجية الأميركية في أفغانستان، إضافة إلى التذبذب في الملف الإيراني، نتيجة كل ذلك عادت لغة التشكيك في جدية أوباما والتزامه بالتغيير، وأصبحت تُطرح ليس فقط من طرف خصوم أميركا مثل إيران و"حماس"، بل أيضاً حتى من قبل الحلفاء المُحرجين. وكانت الصدمة أكبر في تصريحات هيلاري كلينتون المتناقضة عن "تنازلات إسرائيل غير المسبوقة" حول المستوطنات، وهو التناقض الذي حاولت تصحيحه بعد إطلاقه دون جدوى بعدما أثار الاستياء وضاعف التشكيك بصدق نوايا الموقف الأميركي من الصراع العربي/ الإسرائيلي. وبسرعة انضم إلى المشككين في مساعي إدارة أوباما في تحقيق التغيير الموعود والمأمول كُتّاب أميركيون بارزون مثل "والتر ميد" مؤخراً في مقاله "من خسر الشرق الأوسط؟"، واصفاً عملية السلام بالجثة المتحللة، مشيراً إلى تراجع شعبية أوباما في العالم العربي وإسرائيل وحتى في أوروبا التي لم يزرها للمشاركة في الاحتفال بالذكرى العشرين لسقوط جدار برلين مفضلاً الذهاب إلى اليابان والصين. وينتقد البعض الآن إدارة أوباما معلقاً بأنه لا فرق بين سياستها وسياسة إدارة بوش، معتبراً أن أوباما فيما يطالب بالتغيير نراه يمارس الاستمرارية. وقد فشِل، بشكل خاص، في توظيف رصيد الثقة الذي منحه إياه العرب والمسلمون. وهناك شعور بالإحباط والقنوط من إدارة تُرسل كل شهر مبعوثها للسلام، وكل ثلاثة أشهر وزيرة الخارجية ووزير الدفاع للمنطقة، ومع ذلك لا يوجد تغيير أو اختراق يُذكر. وبذلك نعود، في كل مرة، لاجترار التجارب وخيبات الآمال المريرة التي اعتدنا عليها من الإدارات الأميركية السابقة. إن الاستراتيجية الأميركية التي قايضت تاريخياً التغلب على المخاطر بشراء الوقت والتمهل، هي ما تفعله اليوم إدارة أوباما -التي ربما يتعين تذكيرها بأن تلك الاستراتيجية لم تكن في كثير من الأحيان ناجحة، بل إنها قادت إلى كوارث وحروب. والسؤال: ماذا يمكن لإدارة أوباما أن تفعله في السنوات الثلاث القادمة عندما يصبح أوباما مرشحاً لولاية ثانية؟ وبعدها إذا ما فاز وأصبح "بطة عرجاء"، حسب المصطلح الأميركي، ماذا سيبقى حينها في يده من خيارات؟