في بيانها الصادر يوم الأربعاء الماضي، أعلنت لجنة الانتخابات في موزمبيق، نتائج الاقتراع الرئاسي التي منحت فوزاً كاسحاً لأرماندو غيبوز، بحصوله على نسبة 75 في المئة من إجمالي أصوات الناخبين. وقد جرت انتخابات الرئاسة الموزمبيقية يوم 28 أكتوبر المنصرم، وتنافس فيها غيبوز مع مرشحين آخرين هما "أفونسو دلاكاما" زعيم حزب "رينامو" المعارض، و"دافيز سيمانجو" عمدة مدينة "بيرا" الساحلية... على أصوات 10.3 مليون ناخب مسجلين في نحو 12 ألف مركز انتخابي. لكن نتائج الفرز الانتخابي لم تظهر إلا يوم 11 نوفمبر الجاري، كما كان مقرراً لها أصلا. وقد تطابق فوز غيبوز بولاية رئاسية ثانية، مع توقعات المراقبين؛ وذلك أولا لضعف المعارضة الموزمبيقية بسبب انشقاقاتها وخصوماتها الداخلية، وثانياً لأن غيبوز يخوض السباق كرئيس وكمرشح لحزب "فريليمو" الحاكم منذ ثلاثين عاماً، وثالثاً لأنه حقق إنجازات اقتصادية مهمة خلال ولايته الرئاسية المنتهية. ولعل الخطوة الحاسمة في مسار غيبوز نحو كرسي الحكم، كانت قرار اختياره من قبل الرئيس "خواكيم شيسانو" لخلافته في سدة الرئاسة. ففي يونيو 2002 أعلن أنه يتخلى عن منصبه دعماً للديمقراطية في موزمبيق. وخلال مهرجان في مابيتو، أمسك بيد غيبوز ورفعها أمام آلاف الأشخاص قائلا: "سيقودكم، وقد برهن في السابق أنه قادر على ذلك". ويعد غيبوز سياسياً بارزاً، وهو مقاتل سابق في حركة التحرر الوطني ضد الاستعمار البرتغالي، ورجل أعمال ثري في الوقت الحالي. ولد أرماندو أميليو غيبوز عام 1943 في إقليم "نامبيلا" بأقصى الشمال، حيث تقطن عرقية "ماكياز" التي ينتمي إليها، وهي أكبر عرقيات البلاد إذ تمثل 47 في المئة من إجمالي عدد السكان. وهو ابن عائلة مزارعة فقيرة، دخل المدرسة الأوروبية ولم يكمل تعليمه الجامعي، إذ انضم في عام 1963 إلى "جبهة تحرير موزمبيق" (فريليمو)، أي بعد عام واحد على إنشائها، وغادر إلى تنزانيا التي مثلت قاعدة خلفية للثوار الموزمبيقيين، حيث تلقى تكويناً عسكرياً ولم يلبث أن أصبح قائداً ميدانياً في "فريليمو"، ثم عضواً في لجنتها المركزية. وبعد نيل الاستقلال عام 1975، تقلد غيبوز عدة حقائب وزارية، ولعب دوراً بارزاً في المفاوضات التي أنهت الحرب الأهلية بـ"اتفاق روما"، عام 1992، بين "فريليمو" و"رينامو" التي كان يدعمها نظام الآبارتايد في جنوب إفريقيا. وبعد مقتل أول رئيس لموزمبيق المستقلة، وهو سامورا ميشيل، في حادث طائرة غامض عام 1986، خلفه شيسانو في الحكم، وأصبح غيبوز وزيراً للداخلية، وذلك للمرة الثانية، في الحكومة الجديدة. وخلال تلك الأعوام ارتبط اسمه بعملية "20 24" التي استهدفت توقيف آلاف العاطلين عن العمل في المدن الكبرى وترحيلهم، خلال 24 ساعة وبحمولة لا تزيد عن 20 كغ، إلى إقليم "نياسا" الريفي الفقير في الشمال؛ "منعاً لتزايد الجريمة ولتشجيع الإنتاج الزراعي". ويعتبر غيبوز مهندس التحول في موزمبيق من الاشتراكية إلى نظام السوق. وهو دور لا ينفصل عن وضعه كأحد أثرى رجال الأعمال في موزمبيق، وصاحب نفوذ في قطاعات كثيرة مثل البنوك، والسياحة، والإعلام، والصناعات الغذائية، والشحن البحري، والبنية التحتية. وفي عهد التعددية الحزبية الذي ولجته موزمبيق عام 1994، ضمِن غيبوز لنفسه موقعاً مهماً، حيث انتخب نائباً برلمانياً، وقاد الكتلة النيابية لحزبه. أما الخطوة الثانية، فكانت انتخابه بلا منافس، في عام 2002، أميناً عاماً لـ"فريليمو"، وبدعم من الرئيس شيسانو نفسه. كل ذلك بدا في الأخير تمهيداً لطريقه نحو الرئاسة، حيث فاز في انتخابات ديسمبر 2004 بأغلبية 64 في المئة من الأصوات، ونُصب رئيساً للبلاد يوم 2 فبراير 2005. وخلال ولايته الرئاسية الأولى المنتهية، واصل غيبوز سياسة الاصلاحات الاقتصادية التي بدأها سلفه شيسانو ونالت استحسان البنك الدولي، ودرأ عن بلاده مخاطر الركود الاقتصادي الذي عصف بجارتيها بوتسوانا وجنوب إفريقيا، وشجع طفرة الاستثمارات الأجنبية في مجالات التعدين والهيدروكربونات والطاقة المتجددة، ووصل بالنمو الاقتصادي إلى واحد من أعلى معدلاته في العالم (7 في المئة). وكل ذلك أيضاً بدا في الأخير تفسيراً قبلياً لفوزه الكاسح بولاية رئاسية ثانية، كما اكتسح حزبه الانتخابات البرلمانية والبلدية التي جرت في يوم واحد مع الاقتراع الرئاسي، حيث أثبتت "فريليمو" أنها حزب قوي وصاحب خبرة طويلة، يستطيع كسب الانتخابات الرابعة في تاريخ البلاد، كما كسب الحرب ضد البرتغاليين ثم ضد "رينامو". وإلى ذلك، فقد استفاد غيبوز من ضعف المعارضة، وعلى رأسها حزب "رينامو" (المقاومة الوطنية لموزمبيق)، الخصم التاريخي لـ"فريليمو". فقد تخلت بعض الأحزاب الصغيرة عن التحالف مع حزب "رينامو"، ولم يلبث هذا الأخير أن عانى من انشقاق داخلي قاده في مارس الماضي "دافيز سيمانجو". ومع ذلك تبقى أمام غيبوز تحديات ومهام جسيمة، مثل الجريمة المتفشية على نطاق واسع، والفساد الذي ينخر جهاز الدولة. وما هما إلا مظهر لتحدٍ آخر أكثر جسامة وأشد خطراً، ألا وهو الفقر الذي يقع تحت عتبته نصف الموزمبيقيين، والبالغ عددهم الإجمالي نحو 21 مليون نسمة. فموزمبيق واحدة من أفقر دول العالم، وقد عانت 16 عاماً من الحرب الأهلية التي أسفرت عن سقوط مليون قتيل وسببت دماراً واسعاً لاقتصادها الهش، مما جعل البنك الدولي يطلق واحدة من أكبر عملياته في العالم، لكن دون إحراز تقدم كبير، ليبقى التحدي ذاته شاخصاً أمام غيبوز خلال سنوات ولايته الخمس القادمة! محمد ولد المنى