المخالفات التي كشف عنها قسم تدقيق الجودة الصحية للمنشآت العلاجية في "هيئة صحة أبوظبي"، مؤخراً، ونشرتها الصحف المحلية، تسلّط الضوء على قضيّة مهمّة، وهي قضية التجاوزات المتكرّرة من جانب بعض العاملين في القطاع الصحي في الدولة، وغياب الرقابة الفاعلة التي تردع هؤلاء عن تكرار مثل هذه التجاوزات. فكما أشارت الصحف، فإن قائمة المخالفات التي تمّ اكتشافها تكرّرت من قبل الأشخاص أنفسهم، فالطبيب الذي أشير إلى أنه يعمل في مركز طبي تخصّصي، ويتاجر بالإجازات المرضية من دون فحص المرضى، لدرجة أنه وقّع (195) إجازة في شهر يونيو الماضي، بحسب إحصاءات إدارة تراخيص المنشآت الصحية، تمّ إيقافه سابقاً عن مزاولة المهنة لمدة شهرين، بسبب المخالفة نفسها. وهذا يثير قضية أخرى مهمّة، وهي أن هناك بعض المراكز الصحية لا تهتمّ كثيراً بمستوى الأطباء وكفاءتهم الذين تتعاقد معهم، بل والأخطر هنا أن بعض هؤلاء الأطباء ربما كان عليهم تساؤلات حول سلوكهم المهني، وبعضهم الآخر كان متّهماً بارتكاب أخطاء طبية في بلدانهم، وهربوا منها، وقدموا إلى الدولة لممارسة الطب بالعقلية نفسها التي مارسوه بها في بلدانهم، وليس غريباً إذن أن يقوم مثل هؤلاء بارتكاب مثل هذه التجاوزات، وتكرارها. وقائمة المخالفات شملت أيضاً قيام بعض الصيدليات بصرف أدوية لا يجوز صرفها من دون وصفة طبية، ووجود أربع موظفات يعملن في إحدى المدارس ممرضات دون الحصول على تراخيص من "هيئة الصحة"، إضافة إلى وجود أدوية منتهية الصلاحية، يضاف إلى هذه القائمة ما كشفته شركة "ضمان"، في شهر مايو الماضي، عن عدد من المخالفات والتلاعب في بعض المنشآت الصحية منها قيام أحد الأطباء بتزوير المعلومات الخاصة بأعراض "المريض" وتاريخه الطبي والتشخيص، ومطالبة "ضمان" بدفع قيمة خدمات علاجية وفحوصات لم يحصل عليها المريض، وقيام بعض الصيدليات بتبديل الوصفات الطبية بمستحضرات تجميلية غير مغطاة من قبل وثائق الضمان الصحي. الواقع أن مثل هذه المخالفات والتجاوزات لها آثار سلبية عديدة، فالطبيب الذي يقوم بالمتاجرة في الإجازات يقدّم الفرصة أمام بعض الموظفين صغار النفوس للتلاعب بقوانين العمل لدى المؤسسات أو الشركات التي يعمل فيها، وهذا لا شكّ ينطوي على أبعاد سلبية؛ إذ يؤدي إلى خسارة المؤسسة أو الجهة التي يعمل فيها نتيجة لتغيّبه فترات طويلة عن عمله دون وجه حق. والموظفات اللاتي يعملن ممرضات في بعض المدارس دون الحصول على ترخيص بذلك لمزاولة المهنة، ينطوي تصرّفهنّ على مخاطرة كبيرة أيضاً، لأنهنّ قد يفتقرن إلى الخبرات الطبية البسيطة واللازمة للتعامل مع المرضى من الأطفال في المدارس، التي لا يجيدها سوى المتخصّصين. صحيح أن الجهات المعنية تتعامل مع هذه المخالفات بحزم، كما وضح في إيقاف الطبيب الذي يتاجر بإجازات المرضى، وإنذار الصيدليات المخالفة، إلا أن هذا ليس كافياً لردع هؤلاء عن تكرار هذه التجاوزات، أو ردع الآخرين عن القيام بالأفعال نفسها، الأمر الذي يتطلّب معه تغليظ العقوبات والجزاءات المعمول بها، حتى يمكن التصدّي بحزم لهذه الظاهرة، لأن تكرار المخالفات والتجاوزات من آن لآخر لا يتماشى على الإطلاق مع الرعاية الصحية وحجم الخدمات المتقدّمة التي تحرص الدولة على توفيرها للجميع.