سؤال يطرحه الجميع. فالكل يتساءل: لماذا "محلك سر"؟ لماذا الوقوف في المكان؟ لماذا غياب مصر؟ لماذا انحسار دورها ونشاط غيرها الأصغر منها؟ إن مصر ليست سويسرا، سياستها الحياد، وهي في خضم المعارك الداخلية والخارجية، الإقليمية والدولية. الكل يتحرك. وتاريخ مصر في الحراك السياسي طويل منذ محمد علي حتى عبد الناصر، حرباً أم سلماً. والتوقف في المكان يؤدي إما للرجوع إلى الوراء أو التحلل إلى أجزاء. فالمياه التي لا تتحرك تتحول إلى مياه راكدة آسنة سرعان ما تتبخر أو تتحول إلى ردم وجفاف. فالحركة تقدم. وقطعة الثلج تتحرك بفعل الذوبان. وحركة الريح تولّد طاقة وتدفع السفن الشراعية. هذا مجرد طرح تساؤل تتعدد فيه الإجابات، وتتنوع فيه الاحتمالات، ولا يوجد فيه خطأ وصواب. كلها وجهات نظر تصح كلها. فالحقيقة متعددة، والواقع متشابك، والإدراك رؤى، والرؤية مناظير. هو سؤال يطرحه غير السياسي قبل السياسي. فالمواطن العادي هو الذي يسأل خاصة إذا حن بذاكرته إلى تاريخ مصر المعاصر وبعد أن شاهد بنفسه مصر في الخمسينيات والستينيات بعد ثورة يوليو 1952 وهي تقود معارك التحرر الوطني والاستقلال والتنمية والوحدة العربية والعالم الثالث. يعز عليه أن تنقسم حياته إلى قسمين، قائد ومقود، رائد ومراد، زعيم ومزعوم. هل لأن الشعوب قد استبعدت من العمل الوطني في نصف القرن الأخير منذ قيام الجيوش العربية بالثورات الوطنية في الخمسينيات والستينيات ووثقت الشعوب ببرامجها الوطنية في الحرية والاستقلال والتنمية والوحدة؟ قامت ثورات "الضباط الأحرار" للتحرر من الاستعمار البريطاني بعد أن وعدت بريطانيا العرب بالاستقلال إن هم ساعدوها ضد الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. ثم تخلت عن وعودها ونفذت فقط "وعد بلفور" لإنشاء إسرائيل على أرض فلسطين. ثم استأثرت الجيوش بالحكم بعد القضاء على النظم السابقة لها. وثقت الجماهير بها. فلم تطالب بحقها في المشاركة في الحكم. ونشأت أزمة الديمقراطية في النظم الثورية مما دفع الناس إلى تولية ظهورها للسياسة بعد أن اضطهد زعماؤهم وزج بهم في السجون تعذيباً وقتلا. هل ازداد الفقر وانخفض مستوى المعيشة، وزادت الأسعار بالنسبة للدخول فجعل الناس ينشغلون بلقمة العيش والصراع من أجل البقاء؟ لقد ازدادت معدلات البطالة واشتدت أزمة الإسكان، وارتفعت أسعار التعليم العام والخاص، الثانوي أو الجامعي. فلم يعد لدى المواطن وقت للعمل السياسي، واعتبره مضيعة للوقت، لا نفع فيه. أراد حل المشاكل الوطنية العامة حلولا جزئية خاصة. حلها اليوم أفضل من انتظار الغد. وطالما انتظر الحلول العامة فلم يحصل منها على شيء وهو يرى الواقع أمامه مكذباً لهذه الوعود على جميع المستويات، الإسكان، والتعليم، والمياه، والصرف الصحي، وجمع القمامة، والغلاء، وخفض مستوى المعيشة والقدرة الشرائية. وفي المقابل زادت النزعة الاستهلاكية لدى الطبقات الجديدة التي تسعى إلى المحال الكبرى تريد التمتع بزيادة دخولها والبضائع المستوردة والحصول على الماركات العالمية. هل لانشغال النخبة المثقفة بالخلافات النظرية والصراعات الحزبية والسعي إلى أن تكون سلطة بديلة؟ يكونون أحزاب معارضة أشبه بالمنتديات الثقافية وسط العاصمة. تحرر جرائدها اليومية أو الأسبوعية، وتسعى إلى تجاوز خسائرها وزيادة توزيعها. إعلامها أكثر من جماهيرها، وصوتها أعلى من حقيقتها. قد تسعى لزيادة ممثليها في المجالس النيابية إما عن طريق المشاركة الشعبية أو عن طريق الائتلاف المعلن أو غير المعلن مع الحزب الحاكم لجعلها ممثلة للمعارضة الرسمية وهو ما يُسمى بالمعارضة المستأنسَة. والواقع أن الحزب الحاكم يحتكر السلطة إما بالانتخابات أو بعزوف الناس عنها، وملء كل البطاقات الانتخابية الفارغة نيابة عن الغائبين. يحتكر الحزب الحاكم السلطة منذ عقود من الزمان بصرف النظر عن تغيير أسمائه. فنشأت أزمة الديمقراطية وأصبح استمرار السلطة من الثوابت الوطنية والقومية والدينية. والأصولوين والشيوعيون والناصريون والليبراليون وأنصار حقوق الإنسان وكل نشطاء المجتمع المدني إنما يلعبون في الوقت الضائع، ويتحركون في هامش مسموح لهم به، لا يخرجون عنه وإلا فتطبيق الأحكام العرفية، وقانون الاشتباه. هل لرفض الانضمام إلى حزب السلطة؟ إذ قد يرى المواطن أمامه بأنه حزب الدولة والحكومة والرياسة ورجال الأعمال والمتسلقين والانتهازيين والوصوليين وطلاب المناصب وأصحاب المصالح. فالسياسي، وفق هذا الفهم الخاطئ، هو هذا النوع من الرجال الذي يسعى إلى المصلحة الشخصية باسم المصلحة العامة، تدفعه الأهواء والنزعات الطائفية والعرقية والمذهبية باسم الجماعة والوطن والأمة. فاستنكف المواطن. وهو في الوقت نفسه يعاني من تحريف القوانين، ورشاوى بعض الموظفين لقضاء الحاجات. هل لغياب الرؤية والمسار والقضبان التي يسير عليها القطار، والطريق الممتد أمامه الذي يوصله إلى غاية؟ إذ يتساءل المواطن: إلى أين؟ وإلى متى؟ وهو يرى الاحتقان في كل مكان، وأن الأمس أفضل من اليوم، وأن اليوم أفضل من الغد. وهو احتقان لا قبيل لأحد بإيقافه. غاب الإبداع في شتى المجالات، وضؤل الخيال السياسي إلى الحد الأدنى. لم تعد السياسة تستهوي أحداً لأنها أصبحت تعادل الحرفة وليس الهواية أو الواجب الوطني. هل لغياب البدائل والاستسلام للأمر الواقع وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان؟ ويقوي ذلك عقيدة القضاء والقدر كما يؤمن بها الناس وتؤثر في سلوكهم. هل تغير العصر، وانتهت الحرب الباردة، ولم يعد الصراع بين الشرق والغرب موجوداً الذي ازدهرت فيه حركة عدم الانحياز، دروع العالم الثالث والقارات الثلاث؟ لقد حل الوفاق العالمي بدل الصراع. وانتهى أحد النظامين المتصارعين لصالح نظام واحد سيطر على العالم باسم العولمة. وأصبح من الضروري دخول كل الدول الصغرى في النظام الأوحد الباقي. وأصبح الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية داخل القطر الواحد أو النزاع المسلح بين قطرين متجاورين هو ما يشغل بال الدولة والمواطن وليس الشأن السياسي الداخلي. فالأمر أكبر مما يستطيعه أحد أو العمل السياسي المنفرد. وقد أدى ذلك إلى العزلة داخل المحيط الداخلي لكل قُطر. فقد جربت مصر الانتشار في محيطها العربي ودخلت عدة حروب وخسرت خططها للتنمية وأنفقت جزءاً من دخلها القومي على السلاح. وما زال العرب يعانون من نتائج هزيمة يونيو- حزيران 1967 ولم يتخلصوا من آثارها. فالنضال خسران. ولم تستطع حرب أكتوبر 1973 تحويل هذه الحالة إلى حالة مضادة، الثقة بالنفس. فقد دخل أبناء الشعب المتعلمين الجيش. ولكن نصر أكتوبر لم يُترجم إلى نصر سياسي مشابه لإعادة بناء الجبهة الداخلية. ومع ذلك هذا الوقوف في المكان، "محلك سر"، أمر غير طبيعي، إنه ضد طبائع الأشياء. فالحركة قانون الكون. وكما يتساءل الجميع لماذا "محلك سر"، يتساءل الكل أيضاً ومتى تبدأ الحركة وكيف؟ وأين، من الداخل أم من الخارج؟ وكيف؟