بعد كتابه "التحكيم بواسطة الإنترنت"، الصادر عام 2001، قام المحامي الدكتور محمد إبراهيم أبو الهيجاء بخطوة ثانية في هذا المضمار المهم، بإصدار كتابه "التحكيم الإلكتروني" الصادر مؤخراً. وفي الكتاب الجديد الذي نعرضه هنا، يتناول المؤلف بشرح متعمق مجمل الوسائل الإلكترونية البديلة لفض المنازعات، والتحكيم عبر الإنترنت، والوساطة الإلكترونية، ومشكلات التفاوض الإلكتروني. وكما يشرح المؤلف، فإن السهولة في إبرام العقود من خلال شبكة الإنترنت، زادت من حجم التعاقدات الإلكترونية، وبالتالي زاد حجم الخلافات والمنازعات، بسبب الغياب الجسدي للمتعاقدين لحظة إبرام العقد، مما ترتب عنه خضوع موضوعات النزاع لاختصاصات قضائية مختلفة. ويقصد بالوسائل الإلكترونية لفض المنازعات؛ منظومة الوسائل غير القضائية لنظر النزاع والفصل فيه من خلال شبكات الحاسب الآلي. ويستغرق هذا المصطلح كافة المنازعات، سواء أكانت قد وقعت إلكترونياً أو كانت منازعات تقليدية غير إلكترونية، إذ تتركز هذه الوسائل على حل النزاع ومعالجته، بغض النظر عن الآلية التي حدث من خلالها. لكن المؤلف يلاحظ أن غالبية المنازعات التي يجري العمل على حلها من خلال الوسائل البديلة لفض المنازعات، تكون في علاقات التعاقد ما بين المستهلكين والتجار، وذلك لغياب أو نقص الاتفاق بين طرفيها، وبدافع الرغبة في سرعة العمل على فض النزاع. بينما يزداد اللجوء للتحكيم في مجال الأعمال لما يتصف به المحكمون من خبرة، علاوة على إلزامية قرار الهيئة التحكيمية. ولأهمية الوسائل البديلة لفض المنازعات وأثرها على تطور التجارة الإلكترونية، يتناول المؤلف طريقتين من الطرق البديلة لفض المنازعات؛ هما المفاوضات المباشرة، والوساطة الإلكترونية. وتعد الأخيرة إحدى الوسائل الودية لحل المنازعات التجارية، وعادة ما تشرف عليها مراكز وساطة متخصصة، تعمل على حل النزاع بالتسوية والتراضي، وباستخدام وسائل إلكترونية متطور وآمنة، تضمن التواصل بين الأطراف الثلاثة، وتحقق أعلى حد من الشفافية في تعاطي الوسيط مع طرفي النزاع. ويفرد المؤلف مساحة وافية لشرح مفهوم وآلية التحكيم الإلكتروني أو التحكيم عبر الإنترنت، باعتباره نظاماً يقدم قواعد خاصة تتلاءم مع احتياجات اقتصاد السوق المعولم، حيث ازداد اللجوء إليه وأصبح حجر الزاوية في التجارة الإلكترونية الدولية. فقد حرصت مراكز التحكيم على توفير وسيلة أكثر نجاعة لحل المنازعات، تتلاءم مع الآلية التي نجم عنها خلاف المتعاقدين، وفي الوقت ذاته تراعي متطلبات التجارة الإلكترونية القائمة على السرعة والثقة بين أطرافها... فكانت نتيجة الجهود التي بذلتها هذه المراكز، ظهور "التحيكم الإلكتروني". ويعرض الكتاب أهم الصفات التي ينبغي توفرها في المحكم لتسيير عملية التحكيم الإلكتروني، وخصائص هذا التحكيم، مع بيان أنواعه وعوائقه وخصائصه ومجالات تطبيقه. وعن الآلية الإجرائية للتحكيم الإلكتروني، يقول المؤلف إن مراكز التحكيم، وانطلاقاً من الحاجة إلى توفير نظام إلكتروني لفض منازعات التجارة الإلكترونية، قامت بإعداد مشروعات لتحقيق هذه الغاية، وبما يتلاءم مع الطبيعة الخاصة لشبكة الإنترنت. هذا وتمر عملية التحكيم الإلكتروني بمراحل عديدة، تبدأ من اللحظة التي يُحال فيها النزاع للمركز الذي يقرر قبول النظر فيه من عدمه، ليبدأ تبادل الطلبات وتتابع تقديم البيانات، حتى إعلان ختام المحاكمة وصدور قرار الهيئة متضمناً فض النزاع. ولرفع الستار عن هذه الإجراءات الواقعة ضمن فضاء إلكتروني بحت، وإزالة الغموض عن بعض جوانبها، يركز المؤلف على لحظتي إحالة النزاع للتحكيم وجلسات المحاكمة. وأخيراً يثير المؤلف سؤالا حول مستقبل التجارة الإلكترونية وإمكانية فض المنازعات الناجمة عنها، ليؤكد أن إعمال قواعد القانون الدولي الخاص، والقائمة على مكان وزمان العقد، من شأنه إعاقة نهوض التجارة الإلكترونية، لما تضعه تلك القواعد من عقبات أمام تحديد الاختصاص القضائي. بل إن بعض التشريعات في عدد من الدول لا تعترف إلى الآن بإجراءات وقواعد ومرتكزات التجارة الإلكترونية. وفي المقابل، كان للوسائل البديلة لفض المنازعات، لاسيما التحكيم الإلكتروني، دور فعال في حل المنازعات الإلكترونية، لما يتصف به من سرعة وفعالية تتلاقيان وإرادة المحتكمين الحرة في اختيار القواعد التي تحكم سير عملية التحكيم. وهكذا فقد فرضت طبيعة الإنترنت، الرافضة للآليات التقليدية في فض المنازعات، شكلا جديداً للتحكيم، ألا وهو التحكيم الإلكتروني، والذي يتم من خلال شاشة الحاسوب، متوافقاً بذلك وطبيعة التجارة الإلكترونية القائمة على تبادل السلع والخدمات دونما حدود تعترضها، ليحتل التحكيم الإلكتروني مكانة الصدارة في فض منازعات التجارة الإلكترونية. محمد ولد المنى الكتاب: التحكيم الإلكتروني المؤلف: د. محمد إبراهيم أبو الهيجاء الناشر: دار الثقافة تاريخ النشر: 2009