تبدو اللحظة الراهنة حاسمة بمعنى الكلمة بالنسبة إلى قضية فلسطين، وبالتالي الصراع العربي -الإسرائيلي في مجمله. وإذا تأملنا التعبير الذي استخدمه وزير الخارجية المصري في مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيرته الأميركية يوم 4 نوفمبر الجاري، حين دعا إلى التركيز على "نهاية الطريق"، قد يجوز القول إننا إزاء معنيين مختلفين بل متناقضين لهذه النهاية في اللحظة الراهنة. فالمعنى الذي قصده، وعبر من خلاله عن التصور المصري للمفاوضات الفلسطينية -الإسرائيلية، هو أن يقترن استئنافها بتحديد الأسس التي تقوم عليها بحيث تكون نهاية الطريق التي سيسلكها المفاوضون واضحة. أما المعنى الآخر فهو التسليم بأننا قد وصلنا إلى نهاية الطريق في الجهود التي بذلتها إدارة أوباما لإطلاق عملية سلام جديدة. ويبدو أن هذا هو المعنى الغالب الآن في تفكير القيادة الفلسطينية، والذي حدا بالرئيس عباس إلى إعلان عدم رغبته في الترشح مجدداً في الانتخابات التي كان قد دعا إلى إجرائها في يناير المقبل. وبغض النظر عن هذا الإعلان الذي يتعلق بانتخابات قد لا تُجرى في هذا الموعد، فالمهم هو أن كلمته التي ورد في سياقها نضحت بمرارة فائقة تولدت عن إحباط شديد من موقف الإدارة الأميركية التي تراجعت عن إصرارها السابق على وقف الاستيطان الإسرائيلي قبل استئناف المفاوضات. فقد كرست جولة الوزيرة الأميركية في المنطقة هذا التراجع. فالمحصلة الأخيرة لتصريحات شتى أدلت بها، وحاولت فيها التلاعب ببعض الألفاظ، هي أن واشنطن باتت تنظر إلى الاستيطان باعتباره قضية من قضايا المفاوضات، وليس عقبة أمام استئناف هذه المفاوضات. وقد صدم هذا التراجع الرئيس عباس وكل من اعتقد أن أوباما عازم على الوصول إلى حل نهائي للصراع وليس مجرد إدارة الأزمات الناتجة عن غياب هذا الحل، وأنه جاد في العمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي. لم يأخذ "أبو مازن" في الحسبان احتمال أن يصطدم أوباما بجدار "الممانعة" الإسرائيلية الذي أحبط جهود رئيسين سابقين على الأقل هما بوش الأب وكلينتون. صعد الرئيس الفلسطيني مع أوباما إلى غصن شجرة مرتفعة، دون أن يحسب حساب كيفية الهبوط إذا لم يحافظ الرئيس الأميركي على موقفه. وهذا هو، بشيء من التبسيط، المأزق الذي تجد القيادة الفلسطينية نفسها فيه الآن بعد أن رفض "أبو مازن" العرض الذي قدمته إليه وزيرة الخارجية الأميركية خلال لقائهما بأبوظبي في اليوم الأخير من الشهر الماضي. وإذا كان هذا هو مأزق القيادة الفلسطينية الآن، فالمأزق الذي يواجه القضية في مجملها أكبر وأكثر خطراً. فالعلاقة بين التفاوض ووضع الاستيطان قد لا تكون أكثر من مسألة تكتيكية قصيرة المدى محدودة الأثر. وحتى إذا افترضنا إمكان إلزام حكومة نتانياهو بتجميد الاستيطان، فلن يكون ذلك لأكثر من فترة أقصاها سنة واحدة. وليس هناك ما يبعث على الأمل في أن تحقق المفاوضات خلال هذه الفترة أو أكثر منها ما تعذر إنجازه خلال التفاوض مع حكومة إسرائيلية أقل تطرفاً على مدى عام 2008. وحتى المتغير الوحيد الذي يمكن أن يؤدي نظرياً إلى وضع مختلف، وهو انهيار حكومة نتنياهو وإجراء انتخابات مبكرة، لا يضمن ذلك فعلياً. وحتى بافتراض إمكان تشكيل حكومة يسار وسط، وهذا أمر لا يخلو من خيال في اللحظة الراهنة، فالأرجح أنها ستبدأ عملها في الوقت الذي ستكون إدارة أوباما قد دخلت عامها الأخير. وفي مثل هذا العام، تصاب أية إدارة بحال شلل سياسي. ومن الصعب، في ظل التراجع المبكر لشعبية أوباما، وجسامة الأزمتين؛ الأفغانية خارجياً والاقتصادية داخلياً، الجزم بإمكان فوزه واستمراره لفترة ثانية. وهكذا، فإذا لم تبلغ جهود إدارته السلمية نهاية الطريق الآن على خلفية مشكلة استئناف المفاوضات، فالأرجح أنها ستبلغ هذه النهاية في وقت لاحق. وهذا هو ما يجعل مأزق القضية الفلسطينية أكبر مما يواجه "أبو مازن" الآن من جراء صعوبة هبوطه من الشجرة التي اعتلاها حين وقف أوباما على أعلى غصن فيها معلناً ربط استئناف المفاوضات بتجميد كامل للاستيطان. ومع ذلك، يستطيع "أبو مازن" التحرك سعياً للخروج من مأزقي القيادة والقضية في آن معاً، إذا فكر بطريقة أخرى وطلب من إدارة أوباما رسالة ضمانات رسمية من النوع الذي حصل شارون على مثله من إدارة بوش عام 2004. ولا ننسى أن الإدارة، وأوباما شخصياً، هما بدورهما في مأزق لا يُستهان به. فالإقرار ببلوغ الجهود السلمية نهاية الطريق يعني فشلاً في الملف الذي راهن أوباما على أن يعوض إحراز تقدم فيه التعثر الذي يواجه سياسته تجاه إيران وبرنامجها النووي، وفي أفغانستان. وقد لا يكون مستحيلاً، والحال هكذا، إقناع أوباما بتقديم رسالة ضمانات للفلسطينيين، مقابل استئناف المفاوضات على أساس تجميد جزئي للاستيطان لا يشمل القدس ويتيح استمرار البناء في ثلاثة آلاف وحدة. فخير لقضية فلسطين أن تتعهد الولايات المتحدة بأنها لن تعترف بالأمر الواقع الذي تفرضه إسرائيل عبر الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، وأن الحل النهائي لن يتأثر بهذا الاستيطان فيما عدا ما التزمت به إدارة بوش في رسالتها إلى حكومة شارون عام 2004. ولما كانت واشنطن قد التزمت في تلك الرسالة بإجراء تغيرات متبادلة متفق عليها (أي تبادل أراض) وفقاً لما أسمته "الوقائع الجديدة على الأرض"، فمن الضروري أن يصر "أبو مازن" على أن تشمل رسالة إدارة أوباما إليه في 2009 نصاً واضحاً على أن ما ورد في رسالة 2004 لا ينطبق بأية حال على الوقائع الجديدة التي تم فرضها بعد ذلك التاريخ. ومن شأن رسالة ضمانات إلى الفلسطينيين على هذا النحو أن تضمن عدم الاعتراف بالآثار المترتبة على الاستيطان الذي سيتواصل إذا أُعلنت نهاية الطريق إلى الحل السلمي الآن، أو في حال فشل المفاوضات مجدداً. وإذا أودعت هذه الرسالة لدى مجلس الأمن، ستكون لها حجية دولية أيضاً فضلاً عن أنها حجة على أية إدارة أميركية قادمة مثلما كانت رسالة بوش إلى شارون حجة على إدارة أوباما وأحد أسباب تراجع موقفه تجاه العلاقة بين الاستيطان واستئناف المفاوضات. ويمكن أن تتضمن الرسالة، التي نناشد "أبو مازن" التحرك من أجلها، تحديداً دقيقاً لأسس المفاوضات، وبالتالي توضيح نهاية الطريق الذي ستقود إليه هذه المفاوضات. أليس هذا أفضل من إعلان نهاية طريق الجهود السلمية من الآن والتفرغ للبكاء والعويل؟