بعد عام على وصوله إلى البيت الأبيض يبدو أن باراك أوباما، أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، يدخل مرحلة مضطربة من رئاسته، والأمر يتعلق أساساً بالسياسة الخارجية لبلاده، التي كانت محط متابعة مكثفة من قبل الرأي العام، لما أنعشته من آمال كبيرة في ظهور تحولات مهمة قد تغير الكثير من التوجهات السابقة في العلاقات الدولية. والحقيقة أن واشنطن لم تدخر جهداً لقلب الصورة السلبية التي طاردتها على امتداد إدارة بوش، فهي حاولت تبني مقاربة متعددة الأطراف تبتعد عن الأحادية التي وصمت ولايتي بوش، بل انفتحت الإدارة الجديدة على القوى العالمية الأخرى وأعادت علاقاتها مع حلفائها إلى سكتها الصحيحة، كما تخلت عن الطابع العدائي للإدارة السابقة وتوقفت عن إعطاء الدروس والمواعظ للدول الأخرى، التي هي نفسها لا تحترمها. والأهم من ذلك أنه بوجود رئيس مثل أوباما في المكتب البيضاوي تراجعت مخاطر الانجرار وراء المغامرات العسكرية وإعلان الحروب التي كان يسببها الاعتقاد الراسخ لدى بوش وأركانه بأنهم دائماً على حق فيما الآخرون دائماً على خطأ، ما يبرر من وجهة نظرهم التدخلات العسكرية والنزوع إلى الأحادية في السياسة الدولية دون تنسيق مع القوى العالمية الأخرى. لكن رغم هذه القطيعة الواضحة مع مقاربة "المحافظين الجدد"، التي هيمنت على التفكير الاستراتيجي للإدارة السابقة، يجد أوباما نفسه أمام تركة ثقيلة يصعب عليه معالجة أضرارها وتصويب انحرافاتها؛ ومع أن التفجيرات الكبيرة التي شهدها العراق مؤخراً وأودت بحياة المئات من الأشخاص وهددت بتقويض الاستقرار الهش في بلاد الرافدين، فينبغي ألا يغير ذلك شيئاً في الخطط الأميركية القاضية بالانسحاب من العراق، لكن ما يستعصي على الحل في الوقت الحالي، هو الحرب في أفغانستان والمساعي المستمرة لتهدئة الأوضاع وفرض الاستقرار. فقد اختار أوباما أفغانستان باعتبارها حربه المشروعة، وأسبغ عليها من التبريرات ما جعلها في نظره ضرورة وليست خياراً، وهو ما دفعه إلى الانخراط كلياً في الحرب وعزز التواجد العسكري الأميركي لمضاعفة فرص النجاح، لكن هذا النجاح يبدو بعيداً حتى هذه اللحظة، بل زاد الوضع تعقيداً بسبب الهجمات التي تنفذها "طالبان"، واستمرار سقوط الضحايا من قوات حلف شمال الأطلسي المنتشرة في البلاد. وكأن ذلك لا يكفي جاءت الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي شهدتها أفغانستان لتلقي بظلال كثيفة من الشك على مجمل العملية السياسية التي ساهمت أميركا في إقامتها، وتعالت الأصوات المشككة في شرعية الحكومة بعد ثبوت حالات تزوير واسعة في الجولة الأولى وانسحاب المرشح المنافس، عبدالله عبدالله، من السباق الانتخابي ليترك الحكومة التي سيترأسها حامد كرزاي ضعيفة وناقصة الشرعية، لا سيما في ظل التقارير التي تتحدث عن تفشي الفساد على نطاق واسع، فهل يتمكن الأميركيون من حلحلة هذا الوضع بالغ التعقيد والتعامل مع حكومة كرزاي المتهمة بالفساد، أو دحر "طالبان" العائدة بقوة إلى الساحة؟ الحقيقة أنه من الصعب التكهن بجواب واضح، كما أن كرزاي الذي اعتمدت عليه أميركا ليكون مخاطباً موثوقاً به، أصبح هو نفسه جزءاً من المشكلة الأفغانية. بيد أن خيبة الأمل الحقيقية في السياسة الخارجية الأميركية كان مصدرها الشرق الأوسط، فقد أنعش خطاب أوباما في القاهرة حول العلاقات الجديدة مع العالم العربي والإسلامي وتأكيده على حق شعوبه في نيل حقوقهم آمالا كبيرة في نفوس الرأي العام بالمنطقة وأحدث زخماً في الشرق الأوسط غير مسبوق غذته التصريحات الإيجابية للرئيس الأميركي، لا سيما بعدما طالب إسرائيل بتجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس وتحدث بصراحة عن معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال. لكن الضربة جاءت مؤخراً من وزيرة الخارجية الأميركية التي أعلنت خلال زيارتها الأخيرة للشرق الأوسط أن الولايات المتحدة لا ترى من الضروري وقف المستوطنات لاستئناف المفاوضات، بل ناشدت الفلسطينيين بالتخلي عن هذا المطلب والرجوع إلى طاولة المفاوضات، ومرة أخرى نرى كيف تقع السياسة الأميركية في ذات الخطأ القديم، وهو التغاضي عن الطرف القوي المتمثل في إسرائيل، وإطلاق يده في حين ممارسة الضغوط على الطرف الضعيف لتقديم المزيد من التنازلات المؤلمة، ليبقى السؤال ما الجدوى من مفاوضات تعرف إسرائيل مسبقاً أنها غير ملزمة فيها بتقديم أية تنازلات وبأنها غير مطالبة بطرح أي شيء ملموس؟ إسرائيل تستغل هذه المفاوضات لكسب المزيد من الوقت وتكريس واقع الاحتلال والاستيطان في الأراضي الفلسطينية. ويبدو أن الأميركيين تراجعوا عن الضغوط على حكومة نتنياهو بوقف الاستيطان حرصاً على عدم سقوطها في حال قدمت تنازلات إلى الفلسطينيين، لكن لمَ الحرص أصلا على حكومة "يمينية"؟ وما الضرر في سقوط حكومة يوجد بها متطرفون مثل أفيجدور ليبرمان؟ ولا ننسَ أن المفاوضات التي ستنطلق في مثل هذه الظروف وفي ظل انعدام التوازن بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لن تكون أكثر من مسرحية سمجة الهدف منها ملء الفراغ والقيام بشيء ما حتى لو كان لا شيء لتهدئة المجتمع الدولي فيما واقع الاحتلال والاستيطان والقمع العسكري مستمر بلا هوادة. ويعتقد نتنياهو أن الوقت يلعب لصالحه وبأنه يستطيع تكريس سيطرته على القدس وعلى جزء كبير من الضفة الغربية ليضع العالم أمام الأمر الواقع ويواصل سياسته التوسعية. لكن الخاسر الحقيقي في هذه الحالة سيكون أوباما الذي ستهتز مصداقيته في الشرق الأوسط بعد الآمال العريضة التي أشاعها في المنطقة، كما ستتراجع ثقة العرب في الوسيط الأميركي، وهو ما سيعزز في المحصلة النهائية الأصوات المتشددة ليعيد المنطقة إلى صفيح ساخن.