أعراض منتصف الولاية تؤرق ساركوزي... وحصيلة عام أوباما الأول "متأرجحة" عهد ساركوزي يصل منتصف الولاية الرئاسية، وحصيلة أوباما في عام، والرسالة السياسية المتضمنة في انسحاب محمود عباس، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية. ساركوزي وتحديات منتصف الولاية: في افتتاحية كتبها "يان ماريك" في "ميدي ليبر" قال إن بلوغ ساركوزي لمنتصف ولايته ينبغي أن يدفعه للنظر في المرآة، لإعادة اكتشاف نقاط الضعف والقوة في أدائه الرئاسي. ولئن كان في جعبته الكثير من النجاحات خاصة في استجابته الحيوية لتداعيات الأزمة المالية العالمية إلا أن هنالك نقاط ضعف شديدة، كان آخرها قضية ابنه ومحاولة فرضه في موقع تنفيذي حساس لا يمتلك الخبرة لتوليه. وفي افتتاحية ثانية لصحيفة ليبراسيون قال لوران جوفرين إن ساركوزي يعاني اليوم مصاعب جمة في الحفاظ على وحدة صفوف أغلبيته اليمينية، وزاد من تفاقم وضعيته الحزبية طغيان الطابع الفردي لقراراته وتوجهاته، وهو ما لا تستسيغه أصوات عديدة داخل الحكومة والبرلمان، خاصة في صفوف بعض المشرعين المنتمين إلى اليمين والوسط. والحال أن وضع ساركوزي الراهن يكاد يكون غير مسبوق في الحياة السياسية الفرنسية، حيث إنها المرة الأولى في تاريخ البلد التي يكون فيها زعيم اليمين الحاكم متفرداً ومن دون منافس داخل معسكره الخاص، ففي عهد جيسكار ديستان مثلا كان هنالك شيراك، وفي عهد هذا الأخير كان إلى جانبه بالادير ثم ساركوزي. أما الرئيس الحالي فما زال يلعب على طريقة فارس الرهان الوحيد الذي يسابق نفسه. ولا منافس له اللهم إلا دوفيلبان الذي لا تنقصه هو الآخر المشاكل والصراعات اللفظية، ولكنه مجرد من كل أشكال القوة وأوراق التأثير المادية. ولحسن حظ ساركوزي أيضاً أن المعارضة اليسارية غارقة هي الأخرى في حالة من التشرذم والتمزق بما لا يسمح لها، في المدى المنظور، بتقديم بديل مقنع عن أدائه. وفي افتتاحية أخرى بصحيفة لومانيتيه وصف "جان إيمانويل ديكوين" ساركوزي، بأنه لا يملك الآن خياراً للاستمرار في إنعاش المسرح السياسي سوى مواصلة الاندفاع بقوة في مشروع تدمير الروح الفرنسية، لأنه إن توقف عن ذلك الآن سيقع لشدة اندفاعه. ذلك أن خطر الساركوزية تجاوز منذ زمن بعيد مرحلة كونها تهديداً ماثلا ليتحول إلى سياسة قائمة تصيب عدواها وأعراضها كل يوم مختلف طبقات وفئات المجتمع الفرنسي. ومن جانبها رصدت صحيفة لوموند ضمن تغطيات متعددة بعض صور تراجع شعبية ساركوزي الآن، مستشهدة ببعض مظاهر خيبة الأمل لدى بعض من صوتوا له قبل عامين ونصف تقريباً. أوباما... والوقت الضائع: في افتتاحية بصحيفة لوفيغارو تساءل الكاتب بيير روسلين، عما يمكن اعتباره إنجازات حققها أوباما خلال الـ12 شهراً التي أمضاها في البيت الأبيض؟ لعل أول ما يخطر على الذهن هو أنه حصل على جائزة نوبل، وهذه تعد بداية جيدة، في كل الأحوال، ثم ماذا؟ قد يقال إنه حسَّن من صورة أميركا في العالم. هذا مهم أيضاً. ولكن، بأية وتيرة يدير أوباما الوقت؟ لقد تصرف بسرعة وفاعلية عندما ألقى بثقله وراء خطة التحفيز الاقتصادي، وها هو يجني ثمار ذلك مع خروج الاقتصاد الأميركي من عنق الزجاجة بأسرع مما كان متصوراً، وهذا في الحقيقة هو أبرز إنجازاته الرئاسية حتى الآن. ولكنه افتقد ذات الفاعلية في مساعيه لتمرير خطة إصلاح برامج الرعاية الصحية الأميركية، وهذه هي أكبر ورشات مشروعه السياسي الداخلي. وعليها يتوقف مستقبل حزبه في انتخابات التجديد النصفي بعد عام من الآن. وفي السياسة الخارجية تراوح حصيلة أوباما بين التردد والإنجاز. ففي الملف الإيراني، حفزت سياساته بزوغ ما سمي "الثورة الخضراء"، والاحتجاجات الواسعة التي اكتنفت ما بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة. وفيما عدا ذلك تبنى سياسة "اليد المبسوطة" تجاه طهران، ولكن دون أن يؤدي ذلك إلى تغير محسوس في مواقف النظام الإيراني. ولذا فإن أوباما سيواجه قريباً خياراً صعباً بين عدم التصرف، ومن ثم قبول أمر واقع بأن تتحول إيران إلى قوة نووية، أو أن يتصرف تجاهها بحزم، مع ما قد يعنيه ذلك من انعكاسات وتداعيات. وفي الملف الأفغاني غامر أوباما في شهر مارس الماضي باقتراح توسيع الاستراتيجية هناك، لكي يتم من خلال احتواء تحدي التطرف في باكستان المجاورة. وفي ملف التعامل مع روسيا، لم يؤد تجميده لبرنامج الدرع الصاروخية إلى زحزحة المواقف الروسية، وهنا أيضاً ينتظر أن يلعب الوقت دوره في تحويل مواقف موسكو. وباختصار فإن أوباما إن لم يتمكن من إنجاز استجابات فعالة للتحديات الدولية التي تواجهه، فإن الرهان على دوران عقارب الساعة وحدها ليس كافياً. والدليل هو الملفات التي وجد نفسه مضطراً للتراجع فيها، وتبني مواقف قريبة من سياسات بوش، والإشارة هنا إلى ملف صراع الشرق الأوسط. السلام مستحيل من دون محمود عباس: تحت هذا العنوان نشرت صحيفة لوفيغارو افتتاحية أكدت في مستهلها أن الرئيس الفلسطيني يعد طرفاً ضرورياً، لا يمكن الاستغناء عنه على طاولة مفاوضات عملية السلام. ومنذ إعلانه الآن عن عدم ترشحه اكتشف العالم أجمع أنه يتعذر تعويضه بأي بديل سياسي فلسطيني آخر. وربما يكون هذا هو ما أراد هو لفت الأنظار إليه تحديداً. ولكن هل هذا يكفي لإنضاج الظروف الكفيلة بجعله يتراجع عن قراره؟ من وجهة نظره هو فإن تراجع الولايات المتحدة عن وجوب وقف الاستيطان قبل العودة إلى طاولة المفاوضات، قد مثل نقطة اللاعودة. وتمضي لوفيغارو في سياق تحليلها معتبرة أن المستقبل وحده هو من سيقول إن كانت الإدارة الأميركية قد تصرفت بسذاجة حين رفعت سقف وأهداف جهدها لتسوية النزاع في وقت مبكر جداً، ودون إعداد مناسب من خلال تعديل موازين القوى، بما يسمح لها بفرض رأيها على نتنياهو. وما يمكن قوله في الوقت الراهن هو أن نتنياهو كسب الجولة حتى الآن، وذلك لظهوره بمظهر القادر على مقاومة ضغوط واشنطن. وعلى الجانب الفلسطيني ما زال أيضاً الطرف الرابح هو القوى المتشددة. ولذا، ولقلب هذه المعطيات الصعبة، لم يبق أمام عباس سوى إشهار ورقة اللعب الأخيرة المتوافرة بين يديه. فإضافة إلى مساعيه للحفاظ على شرعية السلطة الوطنية الفلسطينية بإعلانه عن انتخابات في 24 يناير، حتى لا تجد القوى المتشددة فرصة للحديث عن وجود فراغ دستوري، ها هو يعيد التذكير أيضاً بأهمية وجوده هو باعتباره أبرز الزعامات التاريخية بعد رحيل ياسر عرفات. وتنتهي الصحيفة إلى أن على المجتمع الدولي دفع عباس للتراجع عن الانسحاب، وفي سبيل ذلك لابد من تقديم شيء ما لصالحه. فهو لا يستطيع التفاوض دون وجود حد أدنى من الضمانات. وهنا يتعين على واشنطن والعواصم العربية والأوروبية المعنية العمل سوياً في هذا المسعى. وخاصة أنه لابد أن تكون لعملية التفاوض أهداف واضحة ومحددة بالأبيض والأسود. إعداد: حسن ولد المختار