أثارني ما أتابع من اهتمام إعلامي بموضوع النقاب، حتى بات محور مناقشة حادة في واحد من أشهر البرامج التلفزيونية العربية، وكنت وما أزال أخشى أن يختصر الحديث عن الإسلام إلى قضايا الحجاب والنقاب، ولاسيما أمام المجتمع الدولي الذي صار الحديث عن الإسلام شغله الشاغل. وكان من المفارقات أنني تابعت الحلقة التي خصصت للحديث عن النقاب وأنا في زيارة ثقافية إلى قلب أوروبا، وكنا نتحدث في مؤتمر كبير عن عظمة ما قدم العرب والمسلمون في حضارتهم التي ما تزال حية إلى الآن، موضحين لأصدقائنا الأوروبيين أن الإسلام يتعرض لهجمة شرسة في الغرب، وأن بعض وسائل الإعلام المغرضة تقدم صورة مشوهة عنه، وهي تتكئ على دراسات أسست لصراع الثقافات ورأته حتمياً، وهي تخطط لمسار دموي حين تدعي أن الإسلام مسؤول عن الإرهاب أو ترى فيه فكراً متخلفاً، منوهين إلى كون الدراسات التي وصفت الإسلام بأنه تاريخي وغير قابل للحياة لم ترَ قدرته الفكرية والفقهية على التفاعل مع المستجدات. وكنت أشعر بالضيق حين يطرح المحاورون في أوروبا قضية الحجاب والنقاب وكأنها هي الإسلام كله، فيتحول الحديث عن جوهر الفكر الرحب الذي نشره الإسلام في مشرق الأرض ومغربها إلى تفاصيل فقهية بعضها كان موضع خلاف بين علماء المسلمين، فيصطاد الحالة من يكرهون الإسلام ويسعون إلى مزيد من تشويه صورته إلى اختصاره بتلك التفاصيل، ويجدون الدليل فيما يتحدث به المسلمون في بلادهم وندواتهم الفكرية والإعلامية. ولست معنياً هنا بالتعليق على مضمون الحلقة وما جاء فيها من فتاوى فقهية، فما يعنيني هو خطر إثارة موضوعات خلافية على ملأ دولي، وخطر تقديم الإسلام في رؤية تغفل ما ينبغي أن يكون عليه الخطاب من حكمة وروية وسعة أفق، ورحابة صدر، واتساع للآخر حتى لو اختلفنا معه في الفكر والعقيدة والرأي، والبعد عن التنابذ والانفعال، فمهمة الحوار إيضاح الرأي وإعلان الموقف، وليس من مهماته الإقناع، فإن وقع الحوار في السمات السلبية فسيجد فيه أعداء الإسلام منفذاً إليه. كما أنني أجد ضرورة التبصر بما سماه أهل العلم فقه الأولويات، وقد سرني ما وجدت من استجابة الفقهاء لتأسيس هذا النوع الخاص من الفقه الإسلامي بعد تداعيات جريمة سبتمبر التي اتهم بها العرب والمسلمون دون أدلة وجرّت الويل على العرب والمسلمين. وأشير إلى كتاب القرضاوي "فقه الأولويات، دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة". وفقه الأولويات يسد الذرائع التي يفيد منها الإعلام الراصد الذي يستفيد من جر الفقهاء إلى قضايا صغيرة توشك أن تغطي على جوهر الإسلام وقيمه الكبرى، وعلى عظمة الإنجاز الحضاري الضخم الذي نريد أن نقدم صورته إلى العالم، والصحافة في العالم تسعى إلى الخبر المثير وتنفخ فيه، وها نحن نرى كيف صارت قضية الحجاب قبل قضية النقاب الشغل الشاغل للمسلمين في هذا العصر، وكيف تتداولها وسائل الإعلام في الخارج، والنقاب يخيف الغرب مع الانتشار الواسع للإسلام في بلدانه، وهذا ما سيحفز الغرب إلى مقاومته قبل أن يأتي يوم يجد فيه الغرب في عواصمه النقاب على وجوه النساء. ومع أننا لا نتدخل في حرية الناس فيما يلبسون، فاللباس يقع في إطار الحرية الشخصية، ونحن ندافع عن التنوع الثقافي وعن حرية المعتقد، لكن الأمر بات متعلقاً بما قد ينعكس على صورة الإسلام في العالم، ونحن ندرك أن هناك من يتربص بالفقه الإسلامي ويبحث عن أي خلل صغير ليجعل منه قضية كبرى. وأذكر بحادثة بدأت مجرد خبر صغير في صحيفة فرنسية تقول ما خلاصته، إن فتاتين يهوديتين أفاقتا ذات صباح من شهر أكتوبر عام 2003 لتبلغا والدهما قبل ذهابهما إلى المدرسة أنهما قررتا اعتناق الإسلام، وارتديتا الحجاب. والفتاتان كما تذكر الأخبار هما ليلى ولمعي ابنتا ليفي (والأب كما يقول الخبر رجل يهودي بلا ديانة) وقد طردتهما مدرستهما وهي ثانوية هنري والون في منطقة "أوبر فيلي" في باريس بسبب تمسكهما بالحجاب. أذكر أن الأب "ليفي" مضى سريعاً إلى القضاء يطالب بحق ابنتيه في ارتداء الحجاب، وسرعان ما صارت قضية الحجاب أهم القضايا في فرنسا حتى إنها غطت يومها على اهتمام الجمهور بقضايا ساخنة تتعلق بمقتل آلاف من المسنين بسبب موجة حر مرت في الصيف كما قالت بعض وسائل الإعلام الفرنسية يومذاك! والمهم أن قضية الفتاتين اليهوديتين المسلمتين حديثاً، سرعان ما تحولت إلى أزمة كبيرة بين المسلمين وفرنسا. وأنا لا أقصد أي تشكيك في إسلام الفتاتين، ولكنني أذكر الضجة التي شغلت الرأي العام العالمي وجعلت من يضيقون بالإسلام يجدون فرصة للانقضاض عليه. ولئن كانت الحادثة قد انتهت في قضية الحجاب على خير، مستفيدة من حضور المسلمين المتنورين وقدرتهم على الدفاع عن حق التنوع الثقافي، فإن الواجب يقضي أن يتنبه العاملون في ميدان الثقافة الإسلامية إلى خطر طرح أفكار متشددة تصير مأخذاً على المسلمين ولاسيما تلك المسائل الفقهية الخلافية، التي لا تقع في سلم الأولويات. والإسلام اليوم ولاسيما خارج بلاد المسلمين في حالة تشبه حالة ظهوره الأول، حيث كان الشغل على الإيمان، وعلى العقيدة، وعلى القيم الكبرى، وليس على المتممات. وأنا هنا لا أنتقص من أي موضوع يثار، اتفق عليه علماء المسلمين أم اختلفوا حوله، وإنما أتحدث عن أولويات الخطاب، ولست معنياً بالحديث عن النقاب في مضمونه الديني، فقد كفانا جمهور علماء المسلمين الحديث عنه حين لم يجتمعوا قط على إقرار فرضه على المرأة المسلمة، وأما ما أجد ضرورة أن يتمحور الحديث حوله اليوم على صعيد عالمي حين يذكر الإسلام فهو القيم الإنسانية الكبرى التي أقرها مما كان قبله من ثقافات، وتلك التي جاء بها ليتمم مكارم الأخلاق، والدفاع الإسلامي المؤسس لحقوق الإنسان، ورفض الاحتلال والظلم والعدوان، وفلسفة التسامح والعيش المشترك، والحفاظ على ثقافات الشعوب في تجربة الفتوحات التاريخية المجيدة بما حققت لهم من حفاظ على الهوية القومية والوطنية والتراث الخاص، ومن نشر لمعاني العدل والمساواة والحقوق، فضلاً عن أهمية الحديث عن المساهمة العلمية المؤسسة في تاريخ العلم. وأما الأمور الفقهية الجدلية (الثانوية في سلم الأولويات) فأرجو ألا يسرف المتحدثون في بحثها في وسائل الإعلام كي لا يختصر الإسلام فيها.