لقد مضى على رحيل القائد والمؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله تعالى، خمس سنوات وما زالت العيون تتذكر مرأى محياه، والآذان تستمتع برنين كلماته، والقلوب متعلقة بمحبته، والعقول تتفكر في إنجازاته. لقد مرت هذه السنون والناس تتذكر سجل القائد الذي سطر بإنجازاته صفحات بيضاء في خدمة شعبه وأمته. وما قدمه هذا القائد الخالد للإمارات، وللعرب والمسلمين، بل و للإنسانية جمعاء، يسجل بمداد من ذهب، ويلمسه القريب والبعيد، ويقرُّ به الشقيق والصديق. ولسنا هنا في مقام الحديث عن هذه الإنجازات لأنها معلومة ومشاهدة وتتحدث عن نفسها، ولكنّ الذي لابد من توضيحه وبيانه هو أن خلف هذه الإنجازات شخصية قيادية تملك رؤية فذة استلهمتها بعبقرية من مدرسة الحياة التي تفاعل معها القائد المؤسس وحلَّق بها من خلال مخاض إنجاز وبناء طويل لتحقيق أغراض هذه الرؤية وأهدافها، ولعل أبرز ملامح هذه الرؤية: - الاتحاد ضرورة ومصير: لقد آمن الشيخ زايد، رحمه الله تعالى، بأن مصير هذه الإمارات ومآلها ومصلحة أهلها وشعبها في الاتحاد، ومن أجل ذلك فقد عمل جاهداً لتحقيقه، واستخدم وسيلة الحوار البناء والإقناع والتراضي لتحقيقه. ولذلك فقد سلم الجميع له بالرئاسة حتى عندما كان العمل لتحقيق الاتحاد التساعي، الذي كان سيضم البحرين وقطر، بالإضافة إلى الإمارات السبع. وقد تمكن بحنكته من التعامل مع دول الجوار، بأسلوب مقنِع للتسليم بوحدة الدولة. - الإنسان أولا: لقد أدرك الشيخ زايد رحمه الله تعالى، مكانة الإنسان وأهمية دوره في البناء والتنمية، ولذلك سخّر كل الإمكانيات المتاحة للاستثمار فيه سواء في مجال التعليم أو الصحة أو الخدمات العامة التي تمس المواطن مباشرة، واعتبر كل هذه الأمور على رأس سلم أولوياته، وكان يتولى متابعتها بنفسه. - المحافظة على التراث والعناية به مع الاستفادة من كل مستحدث نافع: لطالما كرر زايد، رحمه الله تعالى، مقولة "من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل"، وكان يوجه دائماً بضرورة المحافظة على التراث وتثمينه وتلقينه للأجيال الناشئة، لكي تلتزم به مع الإصرار على الانتفاع من جميع مستجدات الحضارة المعاصرة. ولذا كان الانفتاح على الخارج والاستفادة من منجزات مختلف الحضارات نابعاً من قناعة راسخة بأهمية ذلك لتطور الإمارات وتقدمها كي تعيش عصرها، وكي ينعم أهلها بأفضل ما أنجزته الحضارة الإنسانية. وكذلك كانت له، رحمه الله تعالى، رؤية محددة للاقتصاد والمال وكيفية إدارته وتوظيفه لعملية التنمية الشاملة، بالإضافة إلى العناية بالجوانب الاجتماعية التي تمس حياة المواطن مباشرة، وكل ذلك كانت نتيجته حياة الأمان والرخاء التي نعيشها نحن الآن، والتي تحققت بالعمل الدؤوب والمضني الذي قام به الشيخ زايد، طيب الله ثراه.