التاريخ في مسيرته الطويلة مليء بالمتناقضات والمتغيرات، إنّ له سيرورةً مبهرةً للمتأمل، ومثيرةً للمتابع، في كلّ لحظةٍ من لحظاته توقّدٌ ما، في مكانٍ ما، وفي كل صفحةٍ من صفحاته ضياءٌ هنا وعتمةٌ هناك، هكذا سار وهكذا عاشه بشرٌ من لحمٍ ودمٍ، كلّهم تأثر به وبعضهم -فقط بعضهم- أثّر فيه. إلف الأيّام وتعاقبها، يلهي الكثير من البشر عن درس التاريخ النافع وواعظه الذي لا يكذب، فيقلّ المدّكرون ويكثر اللاهون، وهو بين الناس ساربٌ بالنهار لا مستخفٍ بالليل، يعطي دروسه بلا مقابل ويمنح عظاته بلا حساب. انتحى المشتغلون بالتاريخ نواحي شتى، وسلكوا مسالك متعددة، فجمعوا وفرّقوا، وخصّصوا وعمّموا، فكتبٌ لتاريخ البشرية العام، وأخرى لتاريخ أمةٍ من الأمم، وثالثةٌ تعتني بالمتن وتلغي الهامش، ورابعةٌ تناقضها فيكون اهتمامها بالهامش أكثر من المتن، غير أنّ الجامع بين أغلبها هو العناية بالأحداث الكبرى والرموز المؤثرة سواءً كانت رموزاً سياسيةً أم دينيةً أم غيرها من الرموز التي أثّرت بشكلٍ أو بآخر في مسار التاريخ الدائب وحراكه المستمر والمتلاطم. لقد كان للزعماء الكبار في التاريخ مكانٌ يليق بما أنجزوا وما قدّموا، وتلك صحائف الأمم وذاك تراثها يحدّثنا على الدوام عن أولئك البشر المتفرّدين الذين استطاعوا في لحظاتٍ معيّنةٍ من التاريخ امتلاك الوعي الكامل به وبالتالي التأثير فيه وتحويل مجراه، هذه الفئة من البشر غالباً ما تجمع بين ذكاء الفطرة وجينات الزعامة وعقل الحكماء، فهم بخورٌ يتضوّع التاريخ بعطرهم، ويتغنّى جذلا بسيرهم وإنجازاتهم، أما البعض الذي يمثّل الوجه الآخر لأولئك الرموز، فهم وإن خلّدهم التاريخ، فإنّما خلّدهم برائحة الدم وطعم المذابح وفداحة الجرائم، وشتان بين من جمع الذكاء والعقل والحكمة، وآخر جلّ إبداعه في القتل والتدمير، نذكر للصنف الأخير ألكسندر المقدوني وهولاكو وهتلر وغيرهم كثير، ونذكر للصنف الأول أمثال غاندي ومانديلا والشيخ زايد رحمه الله. حدثني أحد المقرّبين من الشيخ زايد مرةً أنّه كان في أفريقيا ورأى بعض السقاة من القبائل المحلية ينقلون الماء على أكتافهم فسأل عن حالهم فعلم أنّهم ينقلون الماء الصالح للشرب لعشرات الكيلو مترات، فأمر على الفور بتنفيذ مشروعٍ لنقل المياه إلى مناطقهم، قاطعه أحدهم قائلا: إنّ هذه القبائل غير مسلمةٍ، فما كان منه إلا أنّ ذكّره بأنهم إخواننا في الإنسانية وهم بشرٌ مثلنا والإحسان خير، وفي كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ، وأنشئ المشروع واستفادت منه مناطق بأكملها. أيادي الشيخ زايد البيضاء، لم تزل حديث الناس في زمنه ومن بعده، والمميّز في تلك الأيادي ليس مجرّد العمل الخيري فحسب، بل أيضاً في الفكر الذي تقوم عليه هذه الأعمال الخيرية، والذي أوردنا القصة السابقة كشاهدٍ عليه، ذلك الفكر القائم على أنّ أفضل الأعمال الخيرية هو ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وأنّ المشاريع المدنية كنقل مياهٍ أو بناء مدرسةٍ، أو افتتاح مستشفى قد تكون أجدى على البشر وأنفع لهم من بناء مسجدٍ أو طباعة كتابٍ دينيٍ، وفي كلٍ خيرٌ، ولكن الفرق يكمن في حُسن تلمّس حاجات الناس وضروراتهم. في صيف 2006 كنّا في لندن لتصوير مسلسل "دعاة على أبواب جهنّم"، وأثناء التصوير التقيت برجلٍ كهلٍ كان مشرفاً على أجزاء من العمل، وحدّثني أنّه في الستّينيات الميلادية كان يعمل في "البي. بي. سي"، وقدم إلى العين وأبوظبي لعمل فيلمٍ وثائقي عن المنطقة والحاكم الجديد حينها الشيخ زايد، وحدّثني أنّه يمتلك مجموعةً كبيرةً من الصور عن المنطقة وحاكمها آنذاك لا توجد عند غيره، أرسل لي الصور وكنت يوماً أتجوّل على كورنيش أبوظبي، وأنظر للبنايات الشاهقة والكورنيش الجميل، وأقلّب الصور القديمة وأرى عظم المسافة بين الأمس واليوم، بين ما كان وما صار فأقول في نفسي: بمثل هذا يكون الفخر والاعتزاز. إنّ النقلة التي أحدثها الشيخ زايد رحمه الله لم تكن في بناء العمران، فحسب بل كانت، وهو الأهمّ في بناء الإنسان، تطويره وتعليمه وأمنه وعلاجه واستقراره، فالاستثمار في الإنسان لا يعدله استثمار، والأسرة المتعلّمة تكون رافداً للمجتمع والدولة لا عالةً عليهما... وهكذا كان. لم أدرك الشيخ زايد في حياته، ولكنّني ذكرته فيما كتبت قبل حتى أن تطأ قدماي بلاده بسنواتٍ، فتجربته الوحدوية هي أنجح التجارب الوحدوية في العالم العربي، جاءت قبله وبعده محاولاتٌ جمهورية كتلك التي بين مصر وسوريا وغيرها مما هو أقرب لنا، ولكنّ بعضها باء بالفشل الذريع، وبعضها الآخر لم يزل يترنّح ذات اليمين وذات الشمال، وبقيت تجربته الوحدوية الناجحة مثالا لما يمكن أن يصنعه التئام الشمل من الرفعة والاستقرار. كما تقدّم فلم يهدف زايد لبناء خرساناتٍ إسمنتيةٍ صلدةٍ فحسب، ولم يسع لمفاخرة مع حليفٍ أو مزايدةٍ على عدوٍ، بل سعى لبناء الإنسان، لبناء الفرد ففي الفردانية تكمن القوة ويقبع المستقبل، سعى ليجعل من أفراد شعبه أفراداً متميّزين، اهتمّ بالتعليم وبالصحة وبالتسامح الديني، وسعى جهده لترسيخ ثقافة إيصال الخير للآخرين والتواصل معهم والاستفادة منهم حيثما كانوا وكيفما كانت إبداعاتهم. لم تبر الرسالة ولم يضع العهد، فعلى الطريق مشت ركائب الأنجال والشركاء من أبنائه وإخوانه حكّام الإمارات، التي كان راعيها وراعي مشروعها منذ البدء، فكان للعهد حفظةٌ وللآمال مُنجزٌ وللأحلام بناةٌ وللمستقبل رعاةٌ، بالتعاضد مع أي غريبٍ مفيدٍ ومع كل قريبٍ نافع، وقبل هذا وبعده بقي من صلبه وأبنائه وشعبه من يحمل الرسالة ويفي بالوعد، فالكل بقوا على العهد وامتلأوا إحساساً بعظم المسؤولية وضخامة الحمل، وساروا على الطريق الذي رسمه وعلى الخطة التي أحكم. حدثني الإعلامي المعروف الأستاذ عبدالرحمن الراشد أنّه حضر في منتصف الثمانينيات جلسة نظمتها وزارة الإعلام الإماراتية لصحفيين من عدة دول عربية بمناسبة ذكرى اتحاد الإمارات، وفي ختامها اتجه الوفد الإعلامي لمقابلة الشيخ زايد رحمه الله، فقام أحدهم وخطب خطبةً عصماء -من باب المديح حسب ظنه- قال فيها نهنئكم في ذكرى طرد الاستعمار، ونحيّي نضال الإمارات ضده ومحاربتها له ونجاحها في المعركة، فقاطعه الشيخ زايد بهدوء وقال له: كلامك غير صحيح نحن لم نطردهم، ولم نضغط عليهم، وإنّما خرجوا بتوافقٍ بيننا وبينهم على أن نستمر في علاقاتٍ وديةٍ تفيدنا في بناء بلادنا. هذا الموقف العقلاني من الشيخ زايد رحمه الله ،يذكّرنا بموقفٍ شبيهٍ للمهاتما غاندي عندما تحدّث عن أنّه يريد الإنجليز أن يخرجوا من الهند، ولكنّه لا يريدهم أن يخرجوا كأعداء بل كأصدقاء، ومثله الصبر العقلاني الذي اتسم به صانع القرار الصيني فيما يتعلّق بقضية جزره التي كانت مستعمرة من قبل بريطانيا والبرتغال، وقد أثمر هذا الصبر وهذه العقلانية عن استعادة الصين لها بدون عنفٍ ولا حروبٍ. لن تستطيع الحروف اختصار الزمن، ولكن حروف الصدق تضيء مساحاتٍ مهمةٍ من التاريخ، فالتجربة الرائدة للشيخ زايد والواقع المعيش تحكي للتاريخ قصة الانتقال من التشتت إلى الوحدة، ومن الجهل والفقر إلى العلم والغنى والتطوّر.