أثار تقرير لجنة جولدستون حول حرب غزة، الذي نشرته الأمم المتحدة الشهر الماضي، جدلا حاداً حول كيفية التعاطي مع خلاصاته وتوصياته سواء داخل أروقة الأمم المتحدة أو خارجها. فقد وجد التقرير أن إسرائيل والمقاتلين الفلسطينيين ارتكبوا جرائم حرب، بل وجرائم ضد الإنسانية أيضاً؛ وأوصى بأن تقوم كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية بتحقيقات مستقلة في الاتهامات؛ وفي حال عدم التجاوب مع التوصيات، يتعين على مجلس الأمن الدولي أن يحيل التقرير إلى المحكمة الجنائية التابعة للأمم المتحدة من أجل استكمال متابعة قضائية لجرائم الحرب. غير أن إسرائيل، التي كانت رفضت التعاون مع لجنة جولدستون ورفضت السماح لأعضائها بدخول غزة (فدخلوها في الأخير عبر الحدود مع مصر)، أدانت التقرير وحاولت الطعن في مصداقية جولدستون نفسه -وهو قاض جنوب إفريقي يهودي يحظى بالاحترام والتقدير وعمل من قبل رئيساً للادعاء العام الأممي في محكمة رواندا. أما الرئيس الفلسطيني عباس، فقد دعم التقرير ودعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تصويت فوري عليه. ولكنه بعد بضعة أيام، تراجع عن قراره ووجه تعليمات لمبعوثه إلى جنيف للقبول بإرجاء التصويت. وبعد انتقادات قوية من فصائل فلسطينية منافسة، غيَّر عباس رأيه مرة أخرى وسحب تراجعه. وكان أمين عام الأمم المتحدة "بان كي مون" أعلن الأسبوع الماضي أنه يدعم المقترح الفلسطيني القاضي بإعادة فتح النقاش حول تقرير لجنة جولدستون. والواقع أن رد فعل إسرائيل المتشنج على تقرير لجنة جولدستون كان متوقعاً، فإسرائيل كانت قد رفضت تفويض اللجنة ورفضت التعاون مع التحقيق؛ غير أن الطريقة التي تعاطى بها عباس مع الوضع، يقول بعض المنتقدين، نزعت عنه المصداقية؛ بل إن بعض المنافسين الفلسطينيين ذهبوا إلى حد الدعوة إلى استقالته. والحقيقة أن ثمة عدداً من الأسباب يقف وراء هذا التردد الذي طبع رد الفعل الفلسطيني. فقد أفادت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية أن مصدراً إسرائيلياً أخبرها بأن إدارة أوباما قالت للفلسطينيين إن إعادة إحياء عملية السلام يجب أن تكون لها الأولوية على المبادرات الأممية المستندة إلى تقرير جولدستون. ثم هناك أيضاً التهديد الذي أطلقه نتنياهو في مناسبات متعددة من أن أي قرار مناوئ لإسرائيل في الأمم المتحدة، أو إحالة التقرير إلى المحكمة الجنائية، سيعني نهاية عملية السلام. والواقع أن ثمة أسباباً كثيرة تدعو لأخذ هذا التهديد على محمل الجد؛ فنتنياهو يتوق إلى إيجاد ذريعة للتنصل من مسؤولية الفشل في استئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، في الوقت نفسه الذي يواصل فيه تحدي مطالبة أوباما بإنهاء كل أعمال البناء في المستوطنات. وعلاوة على ذلك، فإنه من غير الواضح ما يمكن تحقيقه من الدفع في اتجاه تنديد آخر وفوري بإسرائيل وأفعالها. فتقرير جولدستون هو أصلا تنديد غير مسبوق بالأفعال الإسرائيلية، إذ لم يسبق أبداً أن وُجهت لزعماء إسرائيليين اتهامات بارتكاب جرائم حرب من قبل لجنة تمثل المجتمع الدولي. ومما لاشك فيه أن مسألة المحاسبة مهمة وأساسية باعتبارها سابقة ووسيلة ردع لبلد لطالما تمتع بالحصانة في هذا الصدد. وقد شدد جولدستون نفسه على هذه النقطة حين قال: "إننا نعيش في عالم اليوم حيث توجد محاسبة عن جرائم الحرب". ولكن حتى يحاكَم زعماء ومسؤولون إسرائيليون من قبل المحكمة الجنائية، يجب على مجلس الأمن الدولي أن يحيل المسألة المعنية إلى المحكمة. والحال أن واشنطن لن تسمح بذلك على الأرجح. وبالتالي، فإن تشديد عباس على تأمين تنديد دولي آخر بإسرائيل لن يضمن محاسبة رسمية؛ كما أنه يقلل من وزن وقوة الاتهامات غير المسبوقة لإسرائيل التي تضمنها تقرير جولدستون. ويبدو أن عباس قد أدرك هذه النقطة، ولاسيما في ظل المسعى الأميركي من أجل التوقف عن الضغط في اتجاه تصويت فوري على التقرير. كما أن طلب الإرجاء حظي أيضاً بدعم مؤيدين للقضية الفلسطينية مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، والمجموعة الإفريقية، وحركة عدم الانحياز. ولكن الصحافة العربية، حسبما يقال، تكهنت بشأن أسباب أخرى لهذا التغير في الموقف. غير أن قرار عباس بسحب مطالبته بتصويت فوري أثار انتقادات شديدة بين كثير من الفلسطينيين المستائين. وحتى حكومة سلام فياض نفسها أصدرت بياناً منتقداً لقرار عباس جاء فيه: "يجب ألا نتخلى عن فرصة ملاحقة الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم حرب خلال هجوم إسرائيل على قطاع غزة". وهكذا، رضخ عباس للضغوط المتزايدة وغير موقفه مرة أخرى، فوجه تعليماته إلى السفير الفلسطيني في جنيف للضغط في اتجاه تصويت فوري على تقرير جولدستون. وبقيامه بذلك، سعى عباس إلى الحفاظ على قاعدته السياسية والحيلولة دون استغلال "حماس" لاستياء الفلسطينيين الذين عارضوا قرار إرجاء التصويت. غير أن أحدث انقلاب في الرأي من قبل عباس يعد قراراً غير مناسب لأنه من غير المرجح أن يأتي بالمحاسبة التي يريد منتقدوه رؤيتها. كما أنه من غير المرجح أن يقوي موقف الأشخاص في إسرائيل الذين يريدون رؤية نهاية لبناء المستوطنات واستئنافاً لعملية السلام. وإضافة إلى ذلك، فقد وضع عباس نفسه في وضع صعب في وجه الانتقادات والاتهام بانعدام الكفاءة والتردد، مع منح نتنياهو ذريعة إضافية لتأخير بدء التفاوض حول القضايا الجوهرية للنزاع. وختاماً نقول إنه إذا كان نتنياهو قبل بضعة أسابيع فقط قد ظهر بمظهر الرجل المنشق والخارج عن الإجماع، والرجل الذي يتحدى أوباما والمجتمع الدولي وينصب العراقيل في طريق السلام، فإنه يخشى أن يكون عباس أيضاً قد غيَّر المعادلة اليوم عبر وضع نفسه في صراع مع واشنطن، ومنح نتنياهو ذريعة للاستمرار في نسف الجهود الأميركية الرامية إلى بدء مفاوضات الوضع النهائي.