كلنا نقترب من الشيخوخة، لكن (الذي قلبه خضر) كما نقول في أمثالنا الشعبية، لا يحفل بتقدم العمر، ولا يتملكه اليأس أو "تهين" أعضاؤه ونفسيته عن ممارسة فعل الحياة، مهما كانت رياحها معاندة أو أقدارها متلوّنة. والمرأة الجميلة، الواثقة من نفسها، التي لا تقيم حفلات "زار" للوسواس، ولا تشتري كتب التنجيم، ولم تتعرف على جرّاحي التجميل، ولا تقف أمام المرآة كل صباح، هي التي ترمي الأيام خلف ظهرها، وتمارس حياتها بكل طمأنينة وحب، وتنشر الورود في الأنحاء. هذه الحالة حضرت في أبوظبي الأسبوع الماضي، يوم احتفال "الاتحاد" بعيدها الأربعين. حيث كانت هنالك حسابات ومراجعات لعمر "الاتحاد" دون التأسي على ذلك العمر ودون النظر في المرآة على الطريقة العربية. إن الأزمة الاقتصادية العالمية التي عصفت بالدول منذ فترة قد طالت صحفاً عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا، وتنادت عدةُ دور نشر نحو التحول للنشر الإلكتروني، طمعاً في قطع المصاريف؛ ونتج عن ذلك تسريح العديد من المحررين والفنيين، اعتماداً على التكنولوجيا الأنيقة والسريعة. وبحكم التخصص؛ لجأت صحف خليجية إلى إلغاء بعض الملاحق ووقف المجلات التابعة للصحف. كما ساهم التوجه نحو الحصول على المعلومة عبر الوسائط السهلة والسريعة مثل الإنترنت والتلفزيون في التحول نحو تلك الوسائط وإهمال الصحف الورقية. والغريب أنه في ظل الأزمة وتداعياتها زاد عدد الصحف في دولة الكويت إلى أكثر من الضعف حيث وصلت إلى 16 صحيفة يومية، موجهة لجمهور محدود من القراء لا يزيد عددهم على 140 ألف قارئ! كما صرح بذلك وليد النصف، رئيس تحرير جريدة "القبس" الكويتية. ولكم أن تتصوروا أن 16 صحيفة تتهافت على الخبر المحلي، حيث وصف ذلك السيد النصف بالقول "16 صحيفة يتهاوشون على الخبر المحلي"؛ ومشكلة الخبر المحلي أنه يأتي من الوكالة الرسمية للدولة وهو خبر "مقدس" لا يجوز التحريف فيه أو الإضافة عليه أو النقصان منه. وتبقى لدى الصحفي التحقيقات أو المتابعات لما بعد نشر الخبر المحلي، وهو الأمر الذي يحفّز الإثارة ويوجب التنوع وتعدد الآراء حول القضية التي تناولها الخبر. ولا نعلم إلى أي مدى ستصمد الصحف الورقية في ظل الإنفاق النازف للميزانيات، إذا ما علمنا أن تكلفة العدد الواحد من الصحيفة الرصينة المتقنة قد يكلف نصف درهم أو ريال في اليوم، دون تكاليف الموظفين والأمور الفنية الأخرى. وعلى جانب مناقض -لأثر الأزمة الاقتصادية- فقد راج سوق المجلات المتخصصة في العالم العربي. وتم إطلاق 87 مطبوعة متخصصة على شكل مجلات. وهذا مؤشر يستوجب الدراسة، من حيث منافسته للجريدة المطبوعة وتحول القارئ نحو القراءة المتخصصة. وفي جانب مناقض أيضاً فقد توقفت حوالي 25 مجلة متخصصة في كل من الإمارات والسعودية، حسبما ذكر وليد عكاوري في مداخلته حول النشر الإلكتروني.. وألقت الأزمة الاقتصادية العالمية بظلالها على (تحصيل الإعلان)؛ ذلك أن الشركات لم تعد تفي بالتزاماتها في الوقت المناسب لدفع تكاليف نشر الإعلان. وفي ظل تراجع الإقبال على الصحف والمجلات على المستوى الدولي فقد زاد عدد المواقع الإلكترونية ومواقع الصحف. وذلك مؤشر يدعم النظرة القائلة إن التحول نحو النشر الإلكتروني في ازدياد، وهذا ما ينذر بأننا سنشهد قارئاً جديداً، يضع جهاز استقبال الصحيفة الإلكترونية في جيبه -أينما كان- ويقرأ الجريدة دون الحاجة لأن يشتري تلك الورقية أو يرهق يديه بتصفحها عندما يكون في المكتب أو الطائرة أو القطار. كما أن المؤشر الذي ذكره الدكتور علي الأعسم في عرضه الشيق في ندوة "الاتحاد" بأن "جوجل" قد زادت أرباحها إلى بليون ونصف البليون دولار، وهذا ما يدعم التوجه بأن القارئ قد أصبح محرراً وناشراً للأخبار في ظل النشر المباشر. والتحول نحو التحرير الرقمي -الذي ذكره المحاضر- قد وفر لجريدة "الاتحاد" ما نسبته 20 في المئة من مصاريف التحرير. مع زيادة ملحوظة في الكفاءة. وإذا ما كان لدينا من تحفّظ على هذا التحول نحو المحرر الشامل -الذي يحرر للجريدة الخبر ويرسله إلى التلفزيون أو الإنترنت أو الهاتف أو جهاز استقبال الجريدة الشخصي مُصوراً؛ فإنه يتمحور حول فقداننا للمحرر الجيد، الذي حتماً سيغريه العمل في التلفزيون أو الإذاعة، ويهمل بذلك عمله الأساسي في الجريدة ويعطي اهتماماً أكبر لتلك الوسائط. أما قضية المهنية والتدريب فلم تغب هي أيضاً عن ندوة "الاتحاد"؛ وقد برز في المناقشات أن بعص الصحافيين (فوضيون ومتمردون) ولا يلتزمون بحلقات التدريب! وأنا لا أود نفي ميزة (التمرد) عن الصحافي؛ فهي ميزة وليست مثلبة، لأن المحرر الجيد يجب أن يكون "متمرداً" في سعيه للوصول إلى الحقيقة، ولكني أختلف مع فوضويته وغيابه عن حلقات التدريب. وعلى علاقة بالموضوع فإن الإحصائيات المحلية تشير إلى تدني نسبة انخراط خريجي كليات الإعلام بالمنطقة في العمل الإعلامي -على رغم تعدد مجالات العمل مقارنة بالثمانينيات- وهي نسبة لا تزيد على 20 في المئة، ويتسلل الباقي نحو الوزارات الأخرى. وهذا أيضاً مؤشر يحتم علينا دراسته من حيث تأثيره على قضية (التوطين الصحفي)؛ وهذه إشكالية مستعصية في الصحافة الخليجية منذ السبعينيات. فأغلب الإعلاميين من المواطنين يريدون أن يكونوا مديرين أو رؤساء أقسام، وأن تخصص لهم أعمدة في الجريدة. وبذلك يتركون عملهم الأساسي للصحافيين الوافدين. وقد تحدث مفارقات سلبية نتيجة عدم استيعاب هؤلاء الصحافيين -خصوصاً الجدد منهم- لمفاهيم وأعراف أهل المنطقة، بل وسياساتها الصحافية. والراهن أن "الاتحاد"؛ الجريدة التي ننتمي إليها لا تنشر أفكارنا ورؤانا فقط، ولا تشكل جسراً متيناً من الود بيننا وبين القارئ الكريم فحسب، بل إنها تزودنا -كل عام- بالجديد والمفيد، وتحفزنا نحو القراءة، وهي دأب (ثبتنا على الموقف)، كما أن شكلها الجديد المريح للعين من الناحية الفنية يجعلها في نظرنا (بنت 17) وليست المرأة الناضجة التي تجاوزت الأربعين وعرفت مهامها ومسؤولياتها. فشكراً للاتحاد.