مقولة مشهورة لأمين الريحاني: "أنا الشرق، عندي فلسفات، من يأخذها ويعطيني دبابات وطائرات". لا يُخفي الريحاني انبهاره بالغرب لإنجازاته المادية والتقنية ويسجل رأيه بكل وضوح في تخلف العرب الحضاري الذي وصلوا إليه. نتفق معه في ما قاله ونقول بأن العرب لهم تاريخ في الفلسفة ولهم تاريخ عريق في الحضارة المادية حيث كانت الفلسفة هي العقلانية التي فتحت أبواب الإبداع، ولما فقدنا العقل والعقلانية ضاع منا كل شيء ودخلنا في جدل عقيم لم نجن منه سوى مزيد من تكبيل العقل وقتل روح الإبداع. ابن رشد كان سيد فلسفة العقل، وأخذ الغرب منه واستكمل ثمار جهده، ونحن تحولنا إلى ساحة قتل يتجاذبها البحث العشوائي عن حقيقة تخلفنا، ونسينا بأننا ودعنا العقل بل هو ودعنا وزهق منا، ومن ثم وجدنا أنفسنا ندور في دائرة مغلقة ونشعر باللذة من جلد ذاتنا، هرباً من مواجهة العقل والواقع، بحثاً عما يريح النفس في مخارج غير عقلانية تباعد بيننا في الكشف عن الحقيقة الغائبة. ما قاله الريحاني منذ عقود عديدة يدعوني إلى التساؤل: هل نحن مجتمعات عقلانية ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، فلماذا نحن على ما فيه من تردٍ على مستويات مختلفة؟ وهنا أجد نفسي أمام سؤال: لماذا لم نتطور كما تطور الغرب العقلاني، رغم أن العقلانية -بمفهوم سيادة العقل- مصدرها العلماء والفلاسفة المسلمون؟ وهنا أيضاً أتذكر ما قاله الدكتور محمد عابد الجابري من أن مثل هذه الأسئلة مزيفة وغير مجدية؛ لأنها تسأل عن حدوث شيء لم يحدث، ولأن السؤال التاريخي والعلمي هو الذي يستفسر عما حدث بالفعل وعن كيفية حدوثه أولا، ثم عن سبب حدوثه ثانياً. وهل العقلانية الغربية هي الحل السحري لتخلفنا؟ إنها إشكالية كبيرة؛ حيث كُتب الكثير حول تفسير الظاهرة العربية، لكن كتاباتنا لم تنقلنا إلى الطريق أو تضعنا في موقف نتلمس فيه الحقيقة، خصوصاً ونحن في الألفية الثالثة حيث نجد أنفسنا في موقف لا نحسد عليه في ظل توالي الاختراعات وتوالي الثورات المعرفية المتفجرة. وأجد نفسي مرة أخرى أتساءل: أين تكمن المشكلة؟ هل هي في العقلية العربية، أم في افتقارنا للعقلانية أصلا في حياتنا وممارستنا اليومية، أم في البناء الاجتماعي الذي لم يواكب التطور لعلة ثقافية ما؟ وأعود مرة أخرى للحملة الفرنسية عام 1798، حيث اكتشف العرب تخلفهم إلى درجات دنيا أمام الحضارة الأوروبية الغازية، فلم يعودوا قادرين على إضافة أي شيء للحضارة العالمية أو التأثير في مجريات الأحداث. ولأن العقلانية لم تعد تحكم حياتنا اليومية، والعقلانية التي نقصدها هي السلوك الواعي الذي يتفق مع أحكام المنطق والمعرفة التجريبية، وتتصف أهدافه بأنها متماسكة ويمكن تحقيقها. وفي حالة المجتمع العربي، فهو يفتقد صفات العقلانية، وهو مجتمع يعيش خارج التاريخ؛ لتمسكه بأفكاره التقليدية. كما أنه يرفض التفاعل مع الحداثة، ويشعر بخوف من التغيير، وهو مجتمع مضطرب من حيث سيطرة نزعة التناقض في السلوك والأفكار وهيمنة الازدواجية. ومن المهم أن ندرك أن المجتمع تنحصر أزمته في بنائه الاجتماعي وثقافته، وليس فقدان العقلانية صفة وراثية بقدر ما هو نتيجة لتراكم سياسات متنوعة أوصلتنا إلى ما نحن عليه. نحن مجتمع يسود فيه التواكل والعجز والتسيب... وهي ظواهر أنتجتها البيئة الاجتماعية، بمعنى أن الإشكالية تقبع في التنظيم العائلي والسياسي والاقتصادي، ولعل هشام شرابي شخص حقيقة الأزمة في شرحه للتكوين الاجتماعي العربي حيث عالج نمط التربية السائدة وما تفرزه من تناقضات على مستوى السلوك والعقل.