ليس الحديث جديداً عن جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست" منذ افتتاحها الشهر الماضي في محافظة جدة غرب السعودية، لا من حيث ضخامة الصرح على المستوى العلمي العالمي بنوعية التعليم فيها، ولا ما يدور حولها من جدل حول إباحة "الاختلاط"، من قبل من يرى في التحديث ضرورة ملحة لتطوير الدولة، أو معارضته من قبل البعض نظرا لضيق أفق، أو سوء فهم للنصوص القرآنية، والأحاديث النبوية التي أمرت كلها بالسماحة والتيسير، لا التعطيل والتعسير. لكن ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع هو ما استطعت العثور عليه بعد عملية بحث فكرية مضنية. فمنذ أعوام مضت والاختلاط قائم في السعودية سواء في الأسواق، أو المستشفيات، أو المراكز البحثية التابعة للجامعات، وحتى هيئات التدريس في بعض الجامعات السعودية بينهم تواصل داخل الحرم الجامعي، نستطيع أن نسميه اختلاطاً؛ كما أن الشركات الكبرى في السعودية لا تفرق في أماكن العمل بين موظفيها كلا على حسب جنسه. وهذا الاختلاط ليس بالمفهوم السيئ الذي يشير له البعض؛ ورغم ذلك كله لم نسمع جدلا يثار حول الاختلاط بهذا الحجم، ما يدعو للتفكير والتأمل والبحث عن الدوافع وراء هذا الجدل. من له مصلحة في عدم قيام صرح علمي بمثل هذه الجامعة واستفادة العالمين العربي والإسلامي منها؟، فلوا استطعنا الدخول إلى أغلب منازل من أعلنوا معارضتهم لـ "كاوست"، لوجدنا العاملات المنزليات يعملن في هذه المنازل، فكيف تكون الحال مع رب المنزل في صباح يوم تعذر عليه الذهاب لعمله ليكون فيه لوحده مع تلك العاملة في منزله، وزوجته في عملها، وأبنائه في مدارسهم؟! لا أعتقد أن هناك شخصاً من المعارضين لهذه المنارة الثقافية، سيرفض الاستطباب عند طبيبة حين يلم به عارض صحي، ويذهب إلى المستشفى ليشترط التداوي على يدي رجل فقط. "كاوست" لا تعتبر مجرد حرم جامعي مختلط فقط، ولا مباني ضخمة تضم أثاثاً فخماً؛ بل هي منارة علمية عالمية المستوى في الأداء التقني بما تملكه من تجهيزات سخرت لخدمة الباحثين فيها من طالبي الدرجات العليا من التعليم. لم تر "كاوست" النور رغم أنها حُلم الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ أكثر من عشرين عاماً، إلا حين أصبحت جامعاتنا نتيجة مناهجها التعليمية تُخرج أناسا هم أقرب إلى مواطنين يعرفون الكتابة والقراءة فقط، منهم إلى حملة البكالوريوس!، ما دفع المؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص لاستقدام القوى البشرية من خارج السوق السعودية، لكي يسدوا هذا العجز في مفرزات التعليم الجامعي التي أصبح مستواها في أدنى التصنيفات العالمية للجامعات. لماذا لا يكون الاختلاط نابعاً من هدف الوصول إلى مستويات متقدمة من التعليم؟، لكي نستطيع أن نجد سعوديات، وخليجيات كُثرا مثل البروفسورة غادة المطيري، التي أتت إلى الولايات المتحدة الأميركية من بيئة قبلية صرفة، وحصلت على أرفع درجات الإنجاز العلمي من أكبر منظمة لدعم البحث العلمي في الولايات المتحدة الأميركية (nih) بفوز بحثها من بين 10 آلاف باحث وباحثة، وهي الشابة الثلاثينية القادمة من المجتمع ذاته الذي فيه من يعارض الاختلاط في جامعة الملك عبدالله!. غادة المطيري حققت هذا الإنجاز العلمي، وهي في أجواء علمية مختلطة، ولم يردعها ذلك، ولم يثنها أو يعيقها عن تحقيق هدفها خدمةً للبشرية. إن حصر قبول الراغبين في الانضمام إلى الدراسة في الجامعة "كاوست" على درجتي الماجستير والدكتوراه من المتفوقين الحاصلين على درجة البكالوريوس لهو دليل على أن برنامج هذه الجامعة لا ينشد إلا علو وتقدم البشرية، كما هي الحضارة الإسلامية في عصور نهضتها وازدهارها. يقولون في العلم الجنائي إن لكل فعل دوافعه، ولمعرفة الجاني ابحث عن المستفيد، فمن المستفيد من إبقاء المجتمع السعودي تحت سيطرة التشدد، ورهن تحركاته عبر "فتاوى" يتناقلونها ليس لها من المصلحة سوى منافع خاصة تعبر عن فكر متصلب؟ من الذي يستخدم المعارضين لقيام "كاوست" كأبواق يمرر رفضه للتقدم والتحديث الجاري في السعودية على قدم وساق منذ أعوام، عبرهم دون أن يشعروا بذلك؟. ليس تشكيكاً في وطنية المعارضين على هذه الجامعة، لكن حسن النوايا يساء استغلالها من قبل كثير من سيئي النوايا. وإن كانت هناك معارضة ربما يخفت وهجها أمام المعارضة الدينية، لكنها في بعض المناطق ذات الأغلبية القبلية لها وهج يستمد من العادات والتقاليد مع بالغ الأسف!، إلا أنني أرى أن هذه المعارضة في اندثار تدريجي يحسم قريباً. ثم لماذا لا يكون هذا الاختلاط في صرح علمي ومنارة ثقافية بحجم "كاوست" مثارا للاعتزاز وإحساساً بالتميز، وليس العكس؟ اعتقد أن عجلة التطوير والتحديث ورفع مستوى القدرات في المجتمع السعودي لن تتوقف عند مجرد جدل يثيره البعض و"وراء الأكمة ما وراءها"، لأن هناك احتياجات كثيرة ما تزال تنقص السعوديين لتحقيق طموح قيادتهم بأن تجعلهم في مصاف الشعوب المتقدمة بعقول أبنائها، بعد خطط رُسمت على مستوى الدولة أخذت من السنين ما يكفي لرسمها، ولم يبق إلا مرحلة الحسم لتنفيذها، وقد لاحت تباشيرها في ظهور بواكيرها. سوف تمثل الجامعة كاوست، باعتبارها "بيتاً جديداً للحكمة"، منارة للسلام والأمل والوفاق، وستعمل لخدمة أبناء المملكة ونفع جميع شعوب العالم، كما قالها الملك عبدالله بن عبدالعزيز في كلمته الافتتاحية للجامعة. ويبقى هناك الصامتون الذين يجب أن يعلنوا مواقفهم من هذه الجامعة، فإن عُدنا إلى النظرة الإيجابية الطبيعية لعملية التطوير والتحديث الجارية في السعودية منذ أكثر من عقد، نجد أن الساكت عن الحق شيطان أخرس.