انتهينا في المقال السابق إلى أن الشروط التي اشترطها المتكلمون والفقهاء فيمن يجوز أن يتولى منصب "الإمامة" (الخليفة، أمير المؤمنين، رئيس الدولة الإسلامية) لا تعدو سبعة: أربعة تتعلق بجانب الكفاءة الجسمية والمعنوية (سلامة الحواس، سلامة الأعضاء، جودة الرأي، الشجاعة)، والثلاثة الباقية هي وحدها التي يمكن ربطها بالجانب الديني، وهي: 1) أن لا يُعرَف عنه ما يطعن في سلوكه الديني والأخلاقي. 2) أن يكون على درجة من العلم الذي يمكنه من الاجتهاد في النوازل المستجدة، 3) النسب وهو أن يكون من قريش (يذكرون حديثاً منسوباً إلى النبي عليه الصلاة والسلام ينص على "الأئمة من قريش"). ذلك كان رأي الماوردي الذي انتهت إليه آراء المتكلمين والفقهاء في الموضوع. وإذا نحن تتبعنا تطور الشروط الثلاثة التي لها وحدها علاقة بالدين فإننا سنجد أنفسنا أمام سلسلة من التنازلات تنتهي بالتنازل عنها جميعاً. لنبدأ بمعاصر الماوردي الفقيه الحنبلي أبو يعلى الفراء المتوفى سنة 458 هـ. لقد أورد الشروط المذكورة ثم عقب عليها بقوله : "وقد روي عن الإمام أحمد (بن حنبل) رحمه الله ألفاظ تقتضي إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل فقال… ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه، بَـرّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين… وقال… فإن كان أميراً يعرف بشرب المسكر والغلول (يستأثر بالغنائم) يغزو (المسلمون) معه، إنما ذلك لنفسه". ويقرر الغزالي الشيء نفسه فهو يؤكد أن المقصود بـ "الاختيار"، في مسألة الإمامة (وليس الوصية)، ليس "اعتبار كافة الخلق"؛ بل "إنما الغرض قيام شوكة الإمام بالأتباع والأشياع". ثم يؤكد هذا المعنى مرة أخرى فيقول: "والقول الوجيز إننا نراعي الصفات والشروط في السلاطين تشوفاً إلى مزايا المصالح، ولو قطعنا ببطلان الولايات الآن لبطلت المصالح رأساً… بل إن الولاية الآن لا تتبع إلا الشوكة، فمن بايعه صاحب الشوكة فهو الإمام". ويقرر ابن تيمية المعنى نفسه إذ يقول: "الإمامة عندهم (أهل السنة) تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة… فالإمامة مُلكٌ وسلطانٌ، والمَلِك لا يصير ملِكاً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملِكاً بذلك". ذلك بخصوص العدالة والعلم و"الاختيار". أما النسب القرشي فابن العربي، الفقيه المالكي المتشدد، يسقطه تماماً مستنداً إلى قوله تعالى: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض"، مستنتجاً: أن الله "جعل داود خليفة"، وهو غير قرشي، فلماذا اشتراط القرشية إذن؟ بل إن ابن العربي يذهب إلى أبعد من ذلك فيؤيد رأي من يرى من الفِرق والأحزاب أنه "لو استوى قرشي ونبطي في شروط الإمامة لرجح النبطي لقربه من عدم الجور والظلم". ويأتي ابن خلدون ليفسر "الحكمة في اشتراط النسب القرشي في الخليفة" بكونها راجعة إلى "اعتبار العصبية التي تكون بها الحماية والمطالبة". فالشوكة والقوة في صدر الإسلام كانت لقريش فكان اشتراط الشرع النسب القرشي بمثابة اشتراط القوة والغلبة أي الكفاية. أما بعد أن ضعفت قريش ولم تعد لها تلك العصبية والشوكة فإنه من الواجب اعتبار "العلة المشتمِلة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية، فاشترطنا -يقول ابن خلدون- في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم". لقد سقطت الشروط الثلاثة الأساسية: العدالة والعلم والنسب القرشي. ويأتي ابن جماعة -قاضي القضاة في القاهرة في عصر المماليك، وقد أدركه ابن خلدون في الغالب- ليقرر بصراحة وقوة ما يلي، قال: "إن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها وقهر الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف، انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقاً، في الأصح. وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة والغلبة لواحد ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده انعزل الأول وصار الثاني إماماً لما قدماه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم". وواضح أن ابن جماعة "يشرِّع" لحكم المماليك فيضفي عليه الشرعية. وهل كان بإمكانه أن يفعل غير ذلك؟ نذكر أخيراً أن فقهاء المالكية قد لخصوا في النهاية "الكلام" في الإمامة في كلمة واحدة هي: "من اشتدت وطأته وجبت طاعته". وقد عبر "العامة" في المغرب بلهجتهم وبصيغة لا تخلو من تهكم، عن هذا المبدأ الفقهي فقالوا: "الله ينصر من أصبحَ!" (أي نطلب من الله أن ينصر من نجح اليوم في انتزاع الملك من المنتصر بالأمس). وبعد، فهل نحتاج إلى القول كخلاصة: إن ما بقي "ثابتاً"، في الفكر السياسي السني هو الأيديولوجيا السلطانية المبنية على الغلبة والقهر؟ لقد انتهت سجالات المتكلمين وتكييفات الفقهاء إلى الاعتراف بشرعية الأمر الواقع فقالوا: "من اشتدت وطأته وجبت طاعته". وهل تقرر الأيديولوجيا السلطانية نتيجة أخرى غير هذه؟ وإذن، فمن الواجب الصدع بالحقيقة التالية، وهي أن الحكم في الإسلام لم يعرف بعد انقلاب الخلافة إلى ملك، مع معاوية، سوى نوعين من الحكم: الحكم القائم على فكرة "الإمامة" الشيعية، والحكم القائم على فكرة "الخلافة" السنية. وليس لأي منهما نص ديني، بل لقد كان أساس كل منهما -دوماً- هو ما فرضه الأمر الواقع، في هذا البلد أو ذاك، في هذا العصر أو ذاك. والأمر الواقع في هذا المقام صنفان: أحدهما فكرة "الوصية" التي يعبأ الناس لها، وتنتهي في الأخير إلى فكرة "الغيبة" و"الرجعة"، والثاني فكرة "الاختيار" التي توضع أساساً للحكم، والتي تنتهي بدورها إلى "الاضطرار"، إلى: "من اشتدت وطأته وجبت طاعته". الفكر الإسلامي لم يعرف، في الميدان السياسي، إلا فكرة الإمامة والأيديولوجيا السلطانية. وإذا كان أهل السنة قد تجندوا للرد على الأولى، فإن نتيجة عملهم لم تكن تتجاوز تكريس الأمر الواقع منذ الفتنة الكبرى، أعني "انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض". وقد حلل ابن خلدون الأساس الذي قام عليه هذا الملك العضوض طوال التاريخ فوجد أنه "العصبية". أي القوة المادية الاجتماعية المتلاحمة التي ربطها بـ "الملك" ربط علة بمعلول: إذا انتفت العصبية انتفى الملك. ذلك ما انتهى إليه ابن خلدون من خلال استبطان تجربته السياسية الشخصية، وما استخلصه من مطالعات في التاريخ العام وعرضها في مؤلفه التاريخي الضخم: "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر". ولسائل أن يسأل: وماذا كان دور الدعوة الدينية (الأيديولوجيا الدينية بكيفية عامة)، قبل الخلافة الراشدة وأثناءها وبعدها في الإسلام وغيره من الديانات والحضارات؟ نستطيع أن نقول إن ابن خلدون يجيب بثلاث عبارات جعلها عناوين لثلاثة فصول من فصول مقدمته: 1- "أن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الملك". 2- "أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم". 3- "أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها" (عدد العصبية: كثرة المنضوين تحتها). ثلاثة عناصر: نترك للقارئ مهمة تركيبها في معادلة...