لطالما رددت باكستان أن ترسانتها النووية في مأمن من القوى المتشددة، مقللة من احتمالات وقوعها في أيدي هؤلاء، ومدعية أنها تتمتع بسياج أمني ومخابراتي محكم! وهذا أيضاً ما قالته الإدارة الأميركية الحالية على لسان وزيرة خارجيتها "هيلاري كلينتون" حينما أعربت عن ثقتها بأن السلاح النووي الباكستاني ما زال تحت سيطرة إسلام آباد. لكن التطورات الأخيرة ونعني بذلك تجرؤ عناصر النسخة الباكستانية من حركة "طالبان" الأفغانية في 11 أكتوبر الماضي على ضرب مقر قيادة الجيش الباكستاني في "روالبندي"، ونجاحها في احتجاز عشرات الرهائن من بعد معركة سقط خلالها العديدون بمن فيهم ضابط باكستاني برتبة جنرال، يعني أن المشهد الباكستاني مفتوح على كل الاحتمالات، بما في ذلك سقوط القدرات النووية في أيدي الجماعات المتشددة. اللافت في هذه التطورات هو أن حفنة صغيرة من الميليشيات الأمية نجحت في مداهمة مقر جيش لطالما نظر إليه بأنه أحد أكفأ جيوش الشرق الأوسط وأكثرها انضباطا ومناقبية وتقاليد عسكرية، بفضل ما رسخه الإنجليز فيه منذ زمن استعمارهم لشبه القارة الهندية، بل أكثر جيوش المنطقة أيضاً لجهة القدرات الاستخباراتية بفضل ما أغدقه الغرب عليه خلال سنوات الحرب الباردة من أنظمة متطورة ومعونات وبرامج تدريبية. الأمر الآخر الملفت للنظر هو أن عملية 11 أكتوبر لم تتم على يد منتمين إلى حركة "طالبان" الباكستانية من إقليم وزيرستان المضطرب، وإنما تمت على يد "طالبانيين" ينتمون إلى إقليم البنجاب. فإذا عرفنا أن هذا الإقليم وحده يزود الجيش الباكستاني بأكثر من نصف إجمالي منتسبيه، لثبت أن هناك اختراقاً حقيقياً في صفوف رجاله وأجهزته. وثمة ملاحظة أخرى لابد من الإشارة إليها في هذا السياق هي أن المهاجمين تمكنوا – من خلال استئجار منزل يقع في مواجهة مقر قيادة الجيش الباكستاني - أن يرصدوا معالم تحصين المقر ومواعيد فتح وإغلاق بواباته، ونظام تغيير حراسته على مدى أسبوع – دون أن تتمكن مخابرات الجيش من اكتشاف ما يدبر له إلا بعد فوات الأوان، حيث عثرت الأجهزة الأمنية لاحقاً في المنزل المستأجر على خرائط لمواقع عسكرية حساسة وصواعق تفجير وملابس عسكرية مطابقة لملابس جنود الجيش الباكستاني. لقد كتب الكثيرون من المعلقين العرب على هذه الأحداث، لكن ما لفت نظري تحديداً هو عمود كتبه أحد رجال الدين الشباب في صحيفة عربية صادرة من لندن. في ذلك المقال، نفى كاتبه صفة الإرهاب عن حركة "طالبان" بنسختيه الباكستانية والأفغانية قائلا بالحرف الواحد: "طالبان لم تكن حركة إرهابية حين نشأت ولا أظن أن غالبية أتباعها في الوقت الحاضر إرهابيون"! وفي هذا القول الكثير من لي عنق الحقيقة لأغراض خاصة بالكاتب وحده الذي قفز فوق كل ما هو موثوق ومعروف عن ظلامية هذه الحركة، وما اقترفته بحق الأفغان على مدى ست سنوات من حكمها البائس من إرهاب وتعذيب وإقصاء وجلد وحرمان من أبسط الحقوق الآدمية، ثم ما اقترفته من جريمة باحتضان ودعم وتدريب العناصرالإرهابية من كل فج، وعلى رأسها طبعاً عناصر تنظيم "القاعدة" المجرم. هذا ناهيك عما اقترفها أنصارها داخل باكستان من مجازر في وزيرستان والمسجد الأحمر في إسلام آباد أو بحق الأقلية الشيعية الباكستانية أثناء ممارستهم لشعائرهم الدينية داخل مساجدهم. أما حجة الكاتب الذي وصف ذات يوم بالوجه الإسلامي المعتدل الذي أرسل إلى لندن لنشر ثقافة الاعتدال والوسطية وإنقاذ مسلمي المهجر البريطاني من ذوي الأصول الآسيوية من خرافات وغلو أئمة محتالين كاللبناني عمر بكري فستق، أو المصري "أبو حمزة المصري" أو الباكستاني "كليم صديقي"، فهي أن "طالبان" لم تلجأ إلى الإرهاب والعنف والعناد إلا كرد فعل على ما تقوم به القوات الباكستانية بمؤازرة قوات التحالف من عمليات عسكرية في وزيرستان وغيرها، وكثأر لمقتل قائدها بيعة الله محسود. وهذه الحجة لا تصمد لحظة واحدة، لذا لن نضيع وقت القارئ بالرد عليها. بعد نفي صفة الإرهاب عن "طالبان"، تحول الكاتب إلى الإشادة بالجيش الباكستاني قائلا: "الجيش الباكستاني الشهير بقوته النووية وانضباطه وجودة تدريبه ودقة استخباراته"، ومعرباً عن قلقه حول مستقبل باكستان كقوة استراتيجية لجهة التعامل مع التطرف ومخاطره. ولئن كان بعض ما ذكره الكاتب في هذه الجزئية من مقاله صحيحاً، فإن بعضه الآخر بعيد عن الواقع. فهذا الجيش لم يعد كما كان منذ أن طعمه الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق بجرعة إسلاموية ضمن مشروعه الأوسع بأسلمة كافة مظاهر الحياة في بلاده أثناء حكمه، الذي شهد أيضاً – بفضل حرب الجهاد في أفغانستان - تفشي ما عرف بثقافة "الكلاشنكوف" في المجتمع الباكستاني. حيث كان لقرارات الرجل، وثقافة الكلاشنكوف تداعيات خطيرة على المؤسسة العسكرية المنضبطة، مثل اختراق أجهزتها من قبل العناصر المتشددة، وتراجع صورتها تدريجياً من جيش يحرص منتسبوه على الانضباط والطاعة والولاء والنظافة والاهتمام بالمظهر الخارجي، إلى جيش يشكل الملتحون والأميون نسبة كبيرة من عناصره. ولم ينس الكاتب أن يشيد بقدرات باكستان النووية حينما قال:"إن مناكفة الطالبانيين للدولة الإسلامية النووية الوحيدة، تساهم في إضعافها أمام الهند، منافستها اللدودة. هذا قبل أن يضيف في مكان آخر من مقاله عبارة " ففي باكستان التي تجاور أسداً هندياً كان سينقض عليها لولا براثنها النووية". غير أن ما نسيه الكاتب أو تناساه عمدا هو أن السلاح النووي الباكستاني استثمر فيه الكثير من قوت الشعب الفقير المحتاج إلى كل قرش لتحسين المعيشة وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية، فقط لمجرد إشباع غرور بعض الساسة من أمثال الراحل "ذوالفقار علي بوتو"، الذي أقسم لأغراض انتخابية في نهاية الستينيات بأنه سيصنع القنبلة النووية حتى لو اضطر شعبه إلى أكل الحشائش والديدان. ولم يتردد "بوتو"، في محاولة لحث الأقطار العربية والإسلامية على ضخ المساعدات في خزينته الفارغة تحت بند "صناعة القنبلة النووية الإسلامية" من إيهام تلك الدول بأن هذه القنبلة هي التي ستحرر القدس وتعيد الأراضي العربية المحتلة. وكانت النتيجة التي يعرفها القاصي والداني هي أن قنبلة باكستان صارت قيداً على حركتها وعبئاً على سلامتها كدولة وكيان. فلا هي قادرة على مجاراة جارتها الهندية علميا في تقنيات هذا السلاح وتطويره لخدمة الأغراض المدنية الملحة كاستخدامه في توليد الطاقة وتحسين جودة المنتوج الزراعي أو في تطوير وسائل الاتصالات والمواصلات، ولا هي قادرة من ناحية أخرى على توفير الضمانات الكفيلة بعدم سقوطها في أيدي الإرهابيين، هذا ناهيك عن عجزها عن مجاراة ما هو مطلوب منها دوليا لرفع الحظر الاقتصادي الكامل عنها، والذي فرض عليها بمجرد قيامها بتجاربها النووية في عام 1998. د.عبدالله المدني باحث ومحاضر أكاديمي في الشؤون الآسيوية من البحرين البريد الإلكتروني : elmadani@batelco.com.bh