يبدو أنه من الصعب في الوقت الراهن الحصول على فنجان من القهوة التركية في المقاهي التي يمتلكها إسرائيليون ذوو ميول قومية في تل أبيب. فأصحاب المقاهي تلك أصبحوا يخصون تلك القهوة بنوع من المعاملة يشبه تلك التي تعرضت لها البطاطس المقلية الفرنسية التي غيَّر الأميركيون اسمها لتصبح "بطاطس الحرية" بسبب رفض فرنسا للغزو الأميركي للعراق عام 2003. وسبب انقلاب الإسرائيليين على تركيا، يرجع إلى القرار الذي اتخذته الأخيرة باستبعاد إسرائيل من المناورات الجوية القتالية السنوية التي تجريها بشكل منتظم مع حلفائها منذ عام 2001. ومن هذا المنظور يمكن القول إن الموقف التركي تجاه إسرائيل أخطر، بما يقاس، من الموقف الذي اتخذته فرنسا. والسبب أن إسرائيل قد تمتعت على مدى سنوات طويلة بنوع من الحصانة الدولية التي كانت تحميها من المساءلة عن الخسائر المدنية والعسكرية للحروب التي تشنها على جيرانها العرب. وهذه الحصانة كانت ترجع إلى إحجام الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية عن مناقشة هذا الموضوع في المنظمات الدولية، ولأن التعاون طويل الأمد بين تل أبيب وأنقرة -على وجه الخصوص- كان يوفر لها نوعاً من الحماية ضد المساءلة الدولية عن الأعمال التي ترتبكها. وباستثناء الولايات المتحدة، تعتبر تركيا أهم حليف لإسرائيل سواء في المسائل العسكرية أو غير العسكرية، وهو ما يرجع للعديد من الأسباب التي يمكن توضيحها على النحو التالي: أن تركيا دولة إسلامية، بل وربما أكثر الدول الإسلامية ديمقراطية في الوقت الراهن. ولأنها دولة ذات ارتباطات عسكرية وسياسية مع حلف "الناتو" والولايات المتحدة وأوروبا الغربية، كما توفر أية شراكة معها سوقاً متسعة للبضائع والمنتجات الإسرائيلية. هذا إضافة إلى أنها تتعاون عسكرياً مع إسرائيل. وعندما اندلعت الحرب في كوريا عام 1951، كانت تركيا من أوائل الدول التي تطوعت بتقديم قوات دعماً للتحالف العسكري الذي كان يخوض تلك الحرب تحت قيادة أميركية. وقد اكتسبت القوات التركية سمعة قتالية هائلة خاصة في الحرب الكورية، مما دفع دول حلف الأطلسي إلى دعوتها للانضمام إليه عام 1952. وعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر كانت تركيا أيضاً هي أول دولية إسلامية تتطوع بتقديم قوات للخدمة في أفغانستان. والسبب الذي دعا تركيا لذلك هو رغبتها في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي التي تكتنفها صعوبات جمة. فعلى رغم أنها مرشحة لذلك الانضمام رسمياً، إلا أنها تواجه معارضة كبيرة (وربما قاطعة أيضاً) بسبب إحجام أعضاء الاتحاد الأوروبي الحاليين عن قبول دولة إسلامية ذات كثافة سكانية كبيرة، وتتسم بمستوى تعليمي ومعيشي يقل كثيراً عن نظيره في باقي الدول الأوروبية. (يشار في هذا السياق إلى أن تركيا، في حالة انضمامها للاتحاد الأوروبي، ستصبح هي الدولة الثانية من حيث الكثافة السكانية بعد ألمانيا، وبالتالي ستصبح صاحبة ثاني أكبر تمثيل في البرلمان الأوروبي). والسبب الذي دفع تركيا إلى اتخاذ هذا الإجراء القوي ضد إسرائيل هو الممارسات التي اقترفتها الأخيرة العام الماضي ضد سكان غزة. فقد دعا استخدام إسرائيل المفرط للقوة أثناء تلك الحرب التي شنتها على القطاع، مفوضية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، إلى إرسال بعثة لتقصى الحقائق هناك وإعداد تقرير عن ذلك. وهذا التقرير تم استكماله منذ فترة وهو المشهور الآن بسام تقرير "جولدستون"، وهذا قاض جنوب أفريقي مشهور تصادف أنه يهودي الديانة. وفي هذا التقرير اتهم ذلك الخبير القانوني كلا من إسرائيل وحركة "حماس" التي تسيطر على قطاع غزة، بارتكاب أعمال يمكن تفسيرها على أنها جرائم حرب، ودعا الطرفين بناء على ذلك إلى إجراء المزيد من التحقيقات في المسألة، وأن يتحمل كل منهما مسؤولياته عما ارتكبت قواته، على أن يتم إرسال تقرير نهائي بذلك إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي يمكن أن تقوم بتحويله إلى المحكمة الجنائية الدولية. ومفهومٌ أن إسرائيل الرسمية شعرت بالغضب الشديد جراء ذلك، وهي تزعم أن التصرفات التركية، وتقرير جولدستون، يرجعان إلى العداء للسامية، على رغم أن القاضي يهودي كما سبقت الإشارة. ومن الواضح أنها تشعر بخوف من احتمال فقدانها لتحالفها مع تركيا التي تعتبرها ذات أهمية كبرى بالنسبة لسياساتها الخارجية باعتبارها دولة إسلامية دعمتها -رمزياً على الأقل- في الأعمال التي قامت بها ضد خصومها. ولا شك أن قرار أنقرة يعني الكثير للجيش التركي الذي يعتبر حامي الشخصية العلمانية للدولة التي أسسها كمال أتاتورك عام 1923، والذي يعتبر كذلك مسؤولا عن الحفاظ على الطبيعة العلمانية للدولة التركية التي تميزها عن غيرها من بلدان العالم الإسلامي، وعن الحفاظ على الروابط العسكرية والسياسية مع القوى والمجتمعات الغربية، وهي روابط تحرص النخبة التركية الحاكمة على استمرارها. والحال أن المجتمع التركي المحافظ دينياً الذي يزداد نفوذه على الدوام، قد تأثر كثيراً بما جرى في غزة، ودفعه هذا التأثر للخروج في مظاهرات ومسيرات مناوئة لإسرائيل في مختلف أنحاء البلاد. كما أن الهجوم الإسرائيلي على غزة أثّر كذلك على رئيس الوزراء التركي أرودغان وعلى القاعدة الإسلامية التي تمتد فيها جذور حزبه. وفي الأسبوع الماضي، قال أردوغان إن بلاده تدافع عن "المقهورين" ضد "قاهريهم" مشيراً بوضوح إلى ما حدث في غزة. كما قال "أحمد داود أوغلو" رئيس الدبلوماسية التركية إن علاقة بلاده مع إسرائيل لن تتحسن ما لم يتم إنهاء المأساة الإنسانية في غزة. وهذه كلها مؤشرات تفيد أن الافتراضات الإسرائيلية بالحصانة والمناعة أمام الرأي العام العالمي ستشكل خطراً عليها إذا ما استمرت في التمسك بها. ويليام فاف ______________________ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفس"