خلال العامين الماضيين، كثيراً ما اقترن ذكر الهند بالصين، باعتبارهما تمثلان الثنائي الآسيوي الأنجح والأقوى نمواً اقتصادياً. وعلى رغم أن معدل نمو الاقتصاد الهندي لم يصل إلى ذلك المستوى المذهل الذي حققه الاقتصاد الصيني، فإن هذا الربط بين الدولتين بات محتوماً وله ما يبرره. وفي هذا السياق، من المهم جداً النظر إلى التقدم الذي تحرزه العلاقات الثنائية بين البلدين. ولعل النجاح الرئيسي الذي حققته هذه العلاقات، هو اتفاق نيودلهي وبكين المبكر على تسليط اهتمامهما على مجال التعاون الاقتصادي، ووضع مسائلهما الخلافية جانباً. وبذلك تختلف العلاقات الثنائية بين الهند والصين كثيراً عن تلك التي تربط نيودلهي بجارتها إسلام آباد. فهذه الأخيرة تحكمها وتوجهها بالدرجة الأولى المسائل الخلافية حول الحدود وغيرها من الهواجس الأمنية الضاغطة. وكانت نيودلهي وبكين قد اتفقتا منذ وقت مبكر على استراتيجية تعزيز علاقات التعاون الاقتصادي فيما بينهما، مع ترك المسائل الخلافية جانباً، حرصاً منهما على ألا تعيق التوترات الحدودية وغيرها جهود التعاون الاقتصادي بين العملاقين الآسيويين. والحقيقة أن هذه الاستراتيجية ظلت تحقق أهدافها على أحسن ما يكون. وليس متوقعاً من الهند ولا الصين أن تصرفا النظر عن نقاط تركيزهما إلى أي مسائل خلافية أخرى بينهما مهما بلغ حجمها. ففي عام 2008 أصبحت الهند أكبر شريك تجاري للصين، ولا تزال الدولتان تواصلان هذه الشراكة وتعمقانها. وبلغة الأرقام فقد تجاوزت عائدات هذه الشراكة الـ 40 مليار دولار، ويتوقع لها أن تصل قريباً إلى 50 مليار دولار، مع العلم أن هذا هو الهدف المحدد لعام 2010، ما يعني سرعة فائقة في تحقيقه. غير أن التركيز على علاقات التعاون الاقتصادي الثنائي بين البلدين، لا يعني خلو العلاقات بينهما من التوترات والاهتزازات. ففي خلال الشهور القليلة الماضية، كان هناك عدد من المسائل والأحداث التي عكرت نهر العلاقات بين نيودلهي وبكين. ولعل أهم وأبرز هذه المسائل، استمرار الخلافات التجارية بينهما، إلى درجة باتت تهدد بحمل ملف حظر استيراد اللعب الهندية إلى منظمة التجارة العالمية. كما حظيت التوغلات الصينية التي حدثت مؤخراً في بعض المناطق الهندية المتاخمة للحدود الصينية بتغطية واسعة في الصحافة الهندية. ومن جانبها ظلت بكين تراقب بكثير من التوتر والاهتمام تحسين الهند لبنيتها التحتية في المناطق الحدودية المذكورة، بما في ذلك تحسين خطوط الاتصالات والسكك الحديدية الناقلة. وعلى رغم أن مسائل النزاع الحدودي عادة ما تتم مناقشتها من قبل الممثلين الخاصين لكلتا الدولتين الجارتين، فإن بكين كثيراً ما تعاود فتح مناقشة هذا الملف وتصعيده إلى مستويات أعلى. فعلى سبيل المثال، أعربت بكين في اجتماع "بنك التنمية الآسيوية"، الذي عقد مؤخراً عن معارضة قوية ومفاجئة لنيودلهي لطلب الحكومة الهندية الخاص بالحصول على تمويل من البنك لمشروعات الري الزراعي في ولاية أروناشال براديش، بحجة أن بعض أراضي تلك الولاية لا يزال متنازعاً عليها. ومنذ ذلك الوقت حدثت عدة مواقف من جانب بكين أثارت توتراً في العلاقات بين البلدين. وتشمل هذه التوترات، الاعتراضات المتكررة التي تبديها نيودلهي على إصدار بكين تأشيرات دخول لأراضيها على مجرد أوراق -دون اشتراط حمل الجوازات- لمواطنين هنود يقيمون في إقليمي جامو وكشمير. وقد صعدت وزارة الخارجية الهندية الأمر بقولها "إنه ليس هناك ما يبرر التمييز بين المواطنين فيما يتعلق بإجراءات وطلبات تأشيرة السفر، على أساس الموطن أو العرق". وليس الاعتراض الهندي هنا على مجرد الإجراءات فحسب، إنما يبنى ذلك الاعتراض الذي تقوده الخارجية الهندية على جوهر تلك الممارسة والإجراءات من الجانب الصيني. فالختم على مجرد أوراق يحملها الهنود المقيمون في الإقليمين المذكورين، إنما يكشف عن عدم اعتراف صيني بالهوية الوطنية الهندية لحملة تلك الأوراق. ولما كان المراقبون الهنود قد تابعوا استمرار تكرار هذه الإجراءات على مدار عام كامل، فإن في ذلك ما يعكس جانباً من المشكلات الحدودية والدبلوماسية بين البلدين. بل الحقيقة أن متانة العلاقات الصينية-الباكستانية كانت مثار توتر بين الدولتين مؤخراً. من ذلك مثلاً تقدم الحكومة الهندية بشكوى رسمية لدى نظيرتها الباكستانية، احتجاجاً على إقامة الأخيرة مشروعاً لسد المياه في إقليم كشمير الذي تسيطر عليه إسلام آباد. والذي يثير قلق واهتمام الهند إزاء هذا المشروع أن تنفيذه يتم بتعاون صيني-باكستاني. ليس ذلك فحسب، بل أكد الرئيس الصيني هوجينتاو تعهده بالتعاون مع إسلام آباد على تطوير طريق "كرا كورام" المروري السريع الذي يربط بين باكستان والصين عبر إقليم كشمير، خلال زيارة رئيس الوزراء الباكستاني رضا جيلاني الأخيرة لبكين. وقال هوجينتاو إن ذلك المشروع أهدي إلى بلاده من قبل الجارة باكستان. وعلى خلفية كل هذه التطورات والتوترات شددت نيودلهي إجراءاتها الخاصة بتأشيرات السفر والدخول. فهناك نحو 25 ألف عامل صيني يعملون في مختلف مشروعات الطاقة والاتصالات والنفط المنتشرة في شتى أنحاء الهند. وضمن الإجراءات الجديدة التي اتخذتها السلطات الهندية بحق هؤلاء، مطالبتهم بإثبات أنهم يقيمون في الهند بناءً على حصولهم المسبق على تأشيرات عمل وليست تأشيرات استثمارية. فبسبب البطء الذي يصحب حصول القادمين من الصين على تأشيرة عمل، يتحايل الكثيرون منهم على هذا البطء بالحصول على تأشيرة دخول بصفة مستثمرين، ثم يحصلون على الوظائف بناءً على تلك التأشيرة. ولما تلاحظ مؤخراً تزايد العمالة الصينية الوافدة إلى الهند بأعداد كبيرة جداً، فقد قررت السلطات في نيودلهي منح العاملين الصينيين مهلة شهر واحد -تنتهي بحلول 31 أكتوبر الجاري- كي يعودوا إلى بلادهم ويصححوا تأشيرات دخولهم إلى تأشيرات عمل قانونية قبل عودتهم إلى الهند. يذكر أن السلطات الهندية لم تكتشف إلا مؤخراً جداً، كثرة العمالة الصينية التي تشغل وظائف في مستوى العمالة شبه الماهرة وغير الماهرة، وهي التي تتوفر لها ملايين الأيادي المحلية الهندية. والغريب أن معظم الصينيين الذين يشغلون هذه الوظائف دخلوا إلى الهند بتأشيرات مستثمرين. يُشار إلى أن السلطات الهندية لم تكتشف هذه الحقيقة إلا بعد أن حدثت مشاجرة بين 600 عامل صيني ومواطني قرية يوجد بها مصنع للحديد الصلب في شهر مايو المنصرم. ومهما يكن، فليس مرجحاً لهذه التوترات والاحتكاكات أن تغير مسار العلاقات بين البلدين. ففي نيودلهي وبكين، ظلت العيون مفتوحة دائماً على تعزيز المصالح الاقتصادية بينهما، مع صرف الأنظار عن الخلافات الحدودية في الوقت الحالي.