التوصل إلى اتفاق عالمي بمضامين حقيقية خلال مؤتمر كوبنهاجن بالدانمارك في شهر ديسمبر المقبل، والذي ترعاه الأمم المتحدة حول التغير المناخي، أمر بالغ الأهمية، وخطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى مع ذلك غير كافية، فلتفادي الوصول إلى مراحل حرجة في التغير المناخي علينا تدبير عمليات اشتغال أنظمة كوكب الأرض والتعامل معها بمنطق مختلف. ففي هذه المرحلة التي تسبق المفاوضات الدولية حول المناخ العالمي بكوبنهاجن يسود اعتقاد على نطاق واسع، بأنه طالما نقوم بخفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري، فإننا بمأمن من الخطر، إلا أن المعطيات العلمية المتراكمة تشير إلى أن هذا الاعتقاد غير مؤسس على حقائق علمية، كما أنه لعقود طويلة سادت الفكرة القائلة بأن التغيرات المناخية التي بدأنا نلمسها بشكل واضح إنما تحدث على نحو تدريجي، وفي اتجاه خطي يمكن توقعها وتفادي نتائجها المضرة، غير أن القرائن العلمية تذهب إلى أن هذا التغير التدريجي قد يكون الاستثناء، وليس القاعدة. وبالمقارنة مع 200 ألف سنة الأخيرة التي عاشها الإنسان على سطح الأرض وهام فيها على وجهها، فقد اتسمت تلك المرحلة بالاستقرار التام من الناحية البيئية، مانحة البشرية الشرط المناسب للتطور الذي نعرفه ونتفيأ بظلاله بدءاً من نشوء الزراعة وانتهاء بالمجتمعات الصناعية اليوم، وقد حاولتُ بمعية زملائي من خلال مقال نشرناه مؤخراً في دورية "نايتر"التعرف على أنظمة كوكب الأرض، والطريقة التي تعمل بها وتحديد العتبات البيولوجية والفيزيائية، التي إن تم تجاوزها قد تؤدي إلى تغيرات بيئية غير مقبولة بالنسبة للبشرية، مثل فقدان الكتل الجليدية، وتآكل الغابات، وتخريب واسع للشعب المرجانية في المناطق المدارية، فضلاً عن تصحر الأراضي الزراعية والتغير في مواسم الأمطار بأفريقيا والهند. وفي مقابل كل نظام كشفنا عنه اقترحنا أيضاً مجموعة من الحدود التي يتعين احترامها وعدم تخطيها وذلك للتقليل من خطر تجاوز العتبات الخطيرة والانتقال إلى حالة غير مريحة بالنسبة لكوكب الأرض قد تنجم عنها كوارث تهدد الحياة الإنسانية على كوكب الأرض، وفي هذا السياق طرحنا تسعة أنظمة للأرض يتعين الاهتمام بها هي: التغير المناخي واستنزاف غشاء الأوزون، والتغيرات في استخدامات الأرض، واستغلال الماء الصالح للشرب، ومعدل فقدان التنوع البيولوجي، وارتفاع ملوحة المحيطات، وكميات النتروجين والفوسفور في الجو والمحيطات، والتلوث الجوي، وأخيرًا التلوث الكيماوي. وترتكز نظريتنا العلمية على هذا المفهوم الجديد الذي يقول إنه طالما بقينا ضمن الحدود المرسومة لأنظمة اشتغال كوكب الأرض فإننا نضمن لأنفسنا فترة أطول من التطور البشري على سطح الكوكب، ولو فعلنا ذلك سنكون قادرين على ضمان الاستقرار الذي عاشه كوكب الأرض. وبالطبع يشكل التغير المناخي واحداً من الحدود التسعة التي يتعين الاهتمام بها، وهنا نرجع إلى العلوم المناخية التي تؤكد الحاجة لضبط تركيز ثاني أكسيد الكربون في الجو في حدود 350 جزءا في المليون، وذلك لتفادي تغيرات متسارعة وغير خطية في المناخ العالمي سيكون لها عواقب وخيمة على سلامة كوكب الأرض، والحال أننا اليوم وصلنا إلى 390 جزءا في المليون. لكن عندما يتعلق الأمر بالتغير المناخي أظهر بحثنا أن التركيز على خفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري دون وضع الآليات الضرورية للحفاظ على سلامة "مخازن الكربون الطبيعية" الموجودة حالياً سواء في المحيطات، أو في الأرض فإننا لن نتمكن من تحقيق مكاسب فيما يتعلق بخفض الغازات المسببة للاحتباس الحراري. فلغاية اليوم قامت الطبيعة بدور كبير في حمايتنا وامتصاص ثاني أكسيد الكربون، إذ من المعروف أن الغابات والمحيطات وفرت مخازن طبيعية للغاز المضر بامتصاصها 50 في المئة من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، لكن قدرة الطبيعة على تخزين ثاني أكسيد الكربون بدأت في التآكل بسبب ارتفاع درجة الحرارة والزيادة في نسبة ملوحة المحيطات، فضلا عن الاستخدام السيئ للأراضي. وبعبارة أخرى ترتبط الحدود التي أشرنا إليها وحذرنا من مغبة تخطيها بعلاقات تكاملية، ذلك أن تجاوز حدود النيتروجين والأرض والماء والمحيطات والأوزون والتنوع البيولوجي سيهدد قدرتنا على ضمان فضاء آمن للحياة، والدليل على ذلك أن الماء العذب يحدد نمو الكتلة الحيوية، كما أما حجم الكربون الذي تخزنه الأشجار والنباتات يحدد بدوره كمية المواد العضوية، وبهذا المعنى لا يمكن الاعتماد فقط على خفض الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري لإحداث التغيرات المطلوبة، بل لا بد من التركيز على مجمل الأنظمة البيئية المرتبطة مع بعضها. جوان روكستورم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب متخصص في قضايا البيئة ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريسيتان سيانس مونيتور"