في المنتدى السنوي الرابع لصحيفة "الاتحاد" الذي أنهى أعماله يوم الثلاثاء المنصرم أفرط المشاركون في حديث ذي شجون عن واقع "الصحافة العربية" وطموحها، وقلّبوا هذا الأمر على شتى جوانبه، بحثاً عن مخرج للصحافة الورقية في بلادنا من مأزقها الراهن، الذي صنعه سبب طارئ تمثل في الأزمة المالية العالمية، وأسباب مزمنة تتراوح بين ضيق هامش حرية التعبير وندرة الصحافة المتخصصة، وعزوف القراء، وبحث كثير من الصحف عن الإثارة الفجة، وتقلص الإنفاق على التدريب المهني، وتراجع التمويل. بداية، إن الأزمة المالية العالمية ألقت بظلالها على صناعات كثيرة، منها صناعة الصحافة، التي شهدت تعثر صحف كبرى وإفلاس أخرى، وتهدد ثالثة بالخروج من السوق تماماً، وإجبار رابعة على التفكير في الاكتفاء بالنسخة الإلكترونية. فعلى سبيل المثال لم يفكر أحد ذات يوم أن تعتزم صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية ذائعة الصيت التوقف عن إصدار صفحاتها اليومية المطبوعة، أو تستغني بعض الصحف كـ"النيويورك تايمز" و"لوس انجلوس تايمز" عن عدد من محرريها، ويتراجع حجم مبيعات الصحف في بريطانيا. وقد طالت هذه الأزمة الصحافة الخليجية، وأظهرت نقاط ضعف عديدة بها، حيث تم إغلاق أكثر من 40 مطبوعة ما بين صحف ومجلات في دول المنطقة، بعد تراجع حجم الإعلانات والدعم الحكومي لدى بعضها. ولا يمكن إنكار واقع أن الإعلام الجديد، بوجهيه البارزين المتمثلين في الفضائيات وشبكة الإنترنت، قد أثر تأثيراً بالغاً وجارحاً على الصحافة الورقية. ومن العبث أن تنزلق الصحافة "التقليدية" إلى صراع ضد نظيرتها الجديدة، فالأخيرة تتقدم بخطى واثقة، ليبقى من الضروري أن يحدث تفاعل خلاق بين الاثنين، تلتقط خلاله الصحافة الورقية من الصحافة الإلكترونية ما يفيدها، وما يمكنها من تخطي أزمات متوالية تكاد تنهي عصراً من احتكار أسلوب نمطي معين لنشر وعرض الأخبار والتقارير، بعد ظهور تقنيات WEB 2.0، التي أتاحت فرصة هائلة لمستخدمي الإنترنت للمشاركة بفعالية سواء عبر إضافة التعليقات أو المشاركة بأنواع مختلفة من الوسائط المتعددة ليصبح بعدها المستخدم صانعاً للحدث كما هو الحال في البلوجز Blogs المختلفة والتي أدى بعضها إلى تفجير قضايا مهمة، والكشف عن خبايا أمور كانت مجهولة لدى الناس حتى وقت قريب، وأدى جميعها إلى ظهور ما يسمى بـ"المواطن الصحفي". إن الصحيفة في خاتمة المطاف هي سلعة تقوم المؤسسات الصحفية بصناعتها، ثم تعرضها في السوق أمام المستهلك (القارئ) وتتبع حياله كل الأدوات والحيل الدعائية الممكنة حتى تجذبه إلى هذه السلعة وتجعله يعتاد استهلاكها. ومثل هذا الوضع يجعل آليات السوق تنطبق بكاملها على الصحف، إنتاجاً وتوزيعاً واستهلاكاً، وتفرض ضرورة فهم "العملية الصحفية" برمتها حسب هذه القواعد الاقتصادية المتعارف عليها، والتي أنتج العقل البشري فيها نظريات وآليات وإجراءات محكمة إلى حد كبير. وهناك أوضاع سلبية تواجه الصحافة العربية وتزيد من حدة الأزمة التي تتعرض لها، يمكن شرحها على النحو التالي: 1- يجب التعامل مع "العنصر البشري" بوصفه الأهم في عملية إنتاج الصحف، وهي مسألة ضرورية، ولذا تنفق الشركات الناجحة جزءاً كبيراً من ميزانياتها على التدريب، الذي يتم طيلة الوقت ولكل العاملين، بغض النظر عن خلفياتهم الدراسية وأعمارهم ومواقعهم الوظيفية. فالقانون الرئيسي لأي مؤسسة ناجحة هو أن التدريب عمل مستمر للجميع. ويقوم هذا التصور على أن المحررين هم العمود الفقري في العملية الصحفية، وأن كفاءتهم وكفايتهم تنعكس بالضرورة إيجاباً على المنتج الصحفي، شكلًا ومضموناً. وللأسف الشديد فإن أغلب المؤسسات الصحفية العربية لا تراعي هذه المسألة، وبعضها لا يتخذ من الكفاءة العنصر الأول للتدرج المتصاعد في المواقع والمناصب داخل الجريدة. 2 - لم تكن صناعة النشر استثناء من الاتجاه إلى التخصص، في ظل عالم يحرص على تقسيم العمل وتوزيعه، بما يحقق أقصى كفاءة إنتاجية ممكنة. ومع حياة تتعقد باستمرار فتختلف اهتمامات الناس وأذواقهم، تجد الصحافة نفسها مطالبة بمواكبة هذا التعقيد وذلك التنوع، إلى درجة ظهور مطبوعات في الغرب متخصصة في قضايا ضيقة جداً وغريبة في الوقت ذاته، منها مثلا نحو عشرين مجلة متخصصة في قضايا "القطارات" في الولايات المتحدة الأميركية فقط، إلى جانب مجلات مهتمة بعالم تربية القطط، أو متخصصة في تغطية كل شؤون الموظفين المتقاعدين..الخ. ومن المؤسف أن الصحافة العربية لا تعرف هذا التخصص الدقيق إلا نادراً، ودون جدية واضحة، وإصرار كامل. 3 - تحرص كل صحيفة على تقديم انفرادات متتالية، تعزز تأثيرها وجاذبيتها، وترسخ تواجدها واستمرارها. ولكن اللهفة على تحقيق سبق بأي طريقة، وأي صيغة، على حساب الدقة وتحري الصدق، من المؤكد أنه سيؤدي إلى نتائج خطيرة، إذ لن تؤخذ الأخبار التي تدعي الجريدة أنها تنفرد بها على محمل الجد، ومع السقوط في الكذب أكثر من مرة ستنهار المصداقية، وينعدم التأثير، أو يقل إلى أدنى درجته، الأمر الذي سيقود إلى تراجع التوزيع. ومن هنا يأتي دور المهنية ليحقق التوازن بين السبق والمصداقية، فيقيس الأول على الثانية، ويجعل الثانية معياراً لتمرير الأول. 4 - تضمنت معظم قوانين الصحافة العربية قيوداً واسعة بعضها تنظيمي، يقيد حرية الإصدار والنشر، ويفرض رقابة على المطبوعات. وبعضها يتعلق بالمضمون، حيث تتعدد العقوبات المفروضة على قضايا النشر، أو تلك التي تمنع تداول المعلومات بحرية وشفافية. ومن المؤسف أن هذه القيود لا تقتصر على القوانين الرسمية، بل تمتد إلى الأعراف والتقاليد الاجتماعية والأنماط الثقافية السائدة، التي تبدو في بنيتها وشكلها أكثر خطراً على حرية الصحافة من "القوانين السالبة للحريات" ذاتها، لأن هذه القوانين يمكن تغييرها بين عشية وضحاها إن توافرت الإرادة، أو تم التقدم بخطوات ملموسة على طريق الديمقراطية، لأسباب عدة. لكن تغيير القيود الاجتماعية والثقافية يحتاج إلى وقت أطول. 5 - إلى جانب ذلك تواجه الصحافة العربية تشريعات قد تنحاز إلى مصلحة السلطة، ما يحد من الحريات العامة، ومنها حرية التعبير، التي تشكل القيمة الرئيسية للصحفيين في أي زمان ومكان. إن كل هذه العوامل والظروف تجعل من الصعب، لكن ليس من المستحيل، على الصحف العربية أن تنافس عالمياً، حتى لو صدر بعضها بلغات أجنبية. والصحف الموجهة إلى القارئ المحلي مطلوب منها أن تؤدي هذا الدور على أكمل وجه، وتتعامل مع "الجمهور المستهدف" بوعي، وتعتبر أن محليتها هي نقطة تميز، عليها أن تستغلها استغلالاً واسعاً وعميقاً ورصيناً، حتى ترسّخ تواجدها، وتعلي دورها.