فيما ينشغل الرئيس أوباما بمعالجة معدلات البطالة المرتفعة، وتداعيات الأزمة العقارية، فإنه سيحسن صنعاً لو درس جيداً ما فعله سلفه "جيمس مونرو". ففي عام 1819، وبينما أجبرت ظاهرة الحجز على المنازل المرهونة الآف الأسر الأميركية، على ترك بيوتها، خصوصاً بعد استفحال البطالة التي وصلت 16.8 في المئة، وبعد أن زادت الأحوال تفاقماً... طرح "مونرو" على الكونجرس خطة لإعادة الاقتصاد لسابق عهده. حينئذ كان عشرات آلاف الأميركيين، قد بدؤوا يتدفقون غرباً عبر جبال "الأبلاش" لشراء الأراضي الفيدرالية، ويقترضون أموالا لشراء أكبر مساحات ممكنة. وفي تلك الفترة، توسعت البنوك في الإقراض. واندفع بعض الناس لاقتراض مبالغ هائلة لشراء الأراضي وبيعها للمزارعين السذج المتدفقين من المناطق الشرقية، والذين أقبلوا بنهم على شراء تلك الأراضي، على أمل التمكن من سداد قيمتها بعد بيع المحاصيل. واضطر الكونجرس الذي استبد به القلق جراء المضاربات وعمليات الغش، لتمرير قانون يُلزم البنوك بتغطية النقود الورقية التي تصدرها بالعملات المعدنية والذهب والفضة. وبمجرد أن أعلنت عدة بنوك إفلاسها نتيجة عجزها على الوفاء بهذا الشرط، تدافع المودعون على البنوك المتبقية مطالبين بمنحهم قروضاً. وهكذا اضطر أكثر من ألف بنك إلى إغلاق أبوابها، ما أدى بدوره إلى انفجار الفقاعة، وإفلاس المضاربين، والمقترضين، وملاك المنازل، والبنوك، بل وهدد الإفلاس الحكومة ذاتها خصوصاً بعد أن رفض الجمهوريون في الكونجرس الموافقة على قرار لمساعدة هؤلاء جميعاً على النجاة من هاوية الإفلاس. وبعد أن استبد به الغضب جراء موقف الكونجرس، صمم "مونرو" على إحراج الكونجرس ودفعه إلى تمرير قانون الإنقاذ الاقتصادي، وألقى خطاباً عنّف فيه أعضاء الكونجرس وقال "إن الخلاف شيء لا يعرفه نظامنا... والشعب الأميركي يمثل عائلة واحدة عظيمة ذات مصلحة مشتركة". وأمر وزير خزانته بتوزيع ملايين الدولارات لمساعدة الولايات المختلفة على التوسع في البنية التحتية. واستطاع "مونرو" من خلال هذه الإجراءات إعادة عشرات آلاف الأميركيين إلى العمل، وبناء شبكة واسعة من الطرق الداخلية، والطرق السريعة خارج المدن. كما تم بناء ما يعرف بـ"الطريق الكبير" الذي ربط نهر "بوتوماك" بنهر "أوهايو"، وفتح الغرب الأميركي أمام الزراعة الواسعة النطاق التي أنتجت الحبوب والفراء والمواد الخام الأخرى، والتي تدفقت عبر جبال" الأبلاش" إلى المصانع وإلى موانئ الشحن في الولايات الشرقية. وفيما بعد أقام "مونرو" أحد أعظم مشروعات الهندسة المائية أدى إلى ربط البحيرات العظمى مع نهر هدسون والمحيط الأطلسي، وساعد على جعل الولايات المتحدة أغنى أمة على ظهر الأرض. وأخيراً نجحت خطة مونرو في إنهاء الكساد، وتدشين أعظم فترة رخاء عرفتها أميركا، فابتهج لذلك، وألقى خطبة متفائلة أظهر فيها سعادته بتعافي الاقتصاد الأميركي، وكان من ضمن ما قاله: "في أي فترة من فترات تاريخنا، لم يكن لدينا من الأسباب ما يدعونا إلى تهنئة أنفسنا على ما حققناه من نجاح وازدهار مثل الفترة الحالية... وعندما أتأمل الوضع الحالي للولايات المتحدة الأميركية، وأراها وهي تنعم بثمار الازدهار، أعتبر أنه من واجبي التقدم إلى الكونجرس لإلغاء الضرائب الداخلية". وبالفعل، ألغى الكونجرس كافة الضرائب الداخلية. ومع انشغال باقي مناطق العالم بالحروب، رفض مونرو السماح للجيوش الأجنبية باستفزاز الولايات المتحدة. وبدلا من إهدار موارد البلاد في حروب خارجية، استثمرها في تعزيز دفاعاتها وجعلها منيعة على الاختراق، مما ساعد على نقل رسالة للعالم الخارجي مؤداها أن المتجارة مع الولايات المتحدة أفضل من الحرب عليها. وأخيراً، نجح مونرو في تحديث الأمة، وخلق "عهد من المشاعر الطيبة" التي وحدت الأميركيين وتركت خصومه القليلين غير قادرين على ترشيح مرشح رئاسي في انتخابات 1820. ليصبح بذلك الرئيس الأميركي الوحيد -باستثناء جورج واشنطن- الذي يتمكن من الفوز بمنصب الرئاسة في أميركا بالتزكية. هارلو جيليس أنجر مؤلف كتاب:"الأب المؤسس الأخير: جيمس مونرو ونداء أمة للارتفاع لآفاق العظمة" ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"