تعرض الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية بالمملكة العربية السعودية قبل فترة، لمحاولة اغتيال، عندما فجّر أحد الانتحاريين نفسه خلال لقائه بالأمير، حيث نجا الأمير من المحاولة، وتطايرت أشلاء الانتحاري. ولقد كشفت السلطات السعودية يوم الثاني من سبتمبر الماضي عن إحباط مخططات إرهابية كانت تستهدف كبار المسؤولين وعلماء دين ورجال أمن في المملكة. ومعلوم أن هنالك لائحة من 83 سعودياً ويمنيين اثنين يشتبه بعلاقتهم مع شبكة "القاعدة" وهم ملاحَقون في المملكة. ولقد أبلغت المملكة الإنتربول الذي أطلق إنذاراً عالمياً بخصوص هؤلاء. ونعتقد أن لهذا الأمر -استخدام العنف لتحقيق غايات سياسية- أكثر من وجه! ونخشى أن تتسع نشاطات الإرهاب، ليس في منطقة الخليج فحسب، بل في كل الدول العربية. أولاً - إن تاريخ المنطقة حافل بالتقلبات السياسية، حتى قبل إنشاء الدول الحديثة. ولعلنا نستحضر هنا ما جرى في العراق في أواخر الخمسينيات، وفي اليمن، وكذلك الاعتداء على موكب أمير الكويت الراحل جابر الأحمد. ثانياً - الحاجة إلى حوار صريح وراقٍ مع أي جماعة تختلف مع النظام في أي مكان. ولئن كانت الكويت قد تجاوزت هذه العقبة -بوجود مجلس الأمة- الذي قد يختلف فيه المختلفون، ويتصارعون، ويطالبون بسحب الثقة من الحكومة، ويستجوبون رئيس الوزراء، إلا أن بعض دول الخليج ما زالت بحاجة إلى ذلك الحوار. صحيح أننا لا نختلف مع ما أعلنه بعض المسؤولين في أكثر من مناسبة من أنه لا حوار مع الإرهابيين، ولكن من ناحية عقلانية، لا بأس من التداول حول مسببات الإرهاب الأساسية، ظروفه، إغراءاته، والأطراف التي تقف خلفه. ولن يتم ذلك إلا عبر حوار وطني صريح حول مستقبل المنطقة بأسرها. ثالثاً - السلاح القوي الذي يتستر خلفه الإرهابيون هو الدين! وهذا يشكل عقبة كبيرة أمام محاصرة هؤلاء. وهم يمتلكون أيديولوجيات حادة، لا تؤمن بالحوار، وتتبنى تكفير الآخرين، وإلغاء حقهم في الحياة. ومن انحرافات تلك الفئة -التي تؤمن بالعنف- أنها ترى نفسها الأحق في الحياة وفي ممارسة أمر الأمة، وكل من يخالفها على باطل، وبالتالي تلجأ إلى تطبيق قانونها الخاص ضد الآخرين، وذلك القانون به مادة واحدة هي (قتل النفس التي حرم الله). وللأسف، عبر التستر خلف الدين، يكسب هؤلاء المتعطشون للدماء بعض الأنصار والمريدين. بل إنهم يجتذبون بعض الشباب ويغررون بهم، ويستخدمون إشارات النصوص الدينية، بصورة مجافية لواقع حال نزول الآيات أو مناسبات الأحاديث النبوية ودلالاتها. وهذه "الميكافيلية" هي التي تقرر العدو من الصديق، وهي التي تصدر أحكام "الإعدام" على الآخرين. وللأسف، فإن الأهداف البشرية لهذه الجماعات قد تجاوزت "العدو" -سواء كان إسرائيلياً أم أميركياً أم عربياً ومسلماً- ولم يعد هنالك فرز أو تصنيف لشكل "العدو"، اللهم إلا من يخالفهم الرأي أو يتمتع بميزات لا يتمتعون بها. رابعاً - إثارة القلاقل، وترويع الآمنين طمعاً في إثارة الاضطراب. وتلك ذريعة لا يمكن أن يقبلها عقل، في ظل الحوار الأممي، وانفتاح الشعوب على الحضارات، وبناء العلاقات الدبلوماسية بين الدول. ولعل أسوأ ما شهدته المرحلة القريبة قيام فيصل فلسطيني بإعلان "إمارة إسلامية" في الأراضي المحدودة في فلسطين! وهذا دليل واضح على الهدف السري لتلك الجماعات وهو لا يختلف مع نظرية أطلقها ابن لان من "تورا بورا"! ولقد جمع حوله بعض الشباب من العرب وغيرهم من اليائسين -الذين لا يريدون أن يتعلموا في الجامعات، ولا أن يعمروا الكون بالأعمال الجليلة، قدر "شوقهم" للموت، وفي سبيل ذلك يقومون بأي عمل، حتى قتل إخوانهم وترويع أخواتهم. إننا نعتقد أن إثارة الاضطراب عبر الإرهاب لن تؤتي ثماراً من أي شكل. كما أن الدول الثابتة المستقرة لن تخترقها تلك الأعمال المحدودة، ولربما كان الطريق الأنجع للتغيّر هو المطالبة بالإصلاحات السياسية، عبر حوار العقل والنَفَس الهادئ، وعدم رفض الآخر أو الحكم عليه بـ "الإعدام"، لأن ذلك من شرائع الغاب. ومن ناحية أخرى، فإن المجتمع العربي ليس كله من المتشددين أو الإرهابيين، بل إن تأثير التكنوقراط أو المهنيين أو أساتذة الجامعات والإعلاميين والفنانين والأدباء -إن أتيحت لهم الفرصة- يكون أكثر نجاعة في إحداث التغيّر، لأن المجتمع يثق بتلك الفئات أكثر من ثقته في صناعة القتل أو بث الرعب في قلوب الآخرين. خامساً - تمويل الإرهاب! على رغم الإجراءات القاسية التي اشتكى منها كثيرون، والتي فرضتها الولايات المتحدة على تحويل الأموال من أية بقعة في العالم -إثر "غزوات 11 سبتمبر"- إلا أن التمويل ما زال ينهمر على الجماعات المتطرفة، وهو ما يشد من أزرها ويغري أفرادها بتنفيذ مخططاتهم، بعد أن يوفروا مبالغ مجزية للإرهابي المقدم على الانتحار. سادساً - استغلال الإرهابيين لحالات اختلال الأمن في بعض المناطق الملتهبة. فـ "القاعدة" بعد أن كانت في عنفوانها في "تورا بورا"، وبعد إلقاء القبض على بعض زعمائها أو قتلهم، أصبحت تنتقل بشكل سريع مثل رسائل (الإيميل)؟! فالويلات التي يعاني منها العراق اليوم، لم تكن لتحل بهذا البلد، ولم تكن لتحدث في ظل نظام صدام حسين، وإن كانت "القاعدة" نائمة أو متناومة في تلك الأيام، ونحن بالطبع لا نتفق مع كل ما جرى أيام صدام من عسف ضد الشعب العراقي! والحال نفسه مع اليمن، ومصر، والجزائر، ولبنان، حيث كلما افتقد الأمن أطلت "القاعدة" برأسها، وأفاقت خلاياها من النوم. ولذلك فإن قوة الدول -أية دولة- في بسط الأمن في ربوعها تساهم بشكل إيجابي في عدم إيقاظ الخلايا النائمة، بل ولربما نومتها إلى أمد طويل، والعكس بالعكس. سابعاً - إن عناصر الفئة الضالة، أو الإرهابيين كمصطلح دولي، لا يلتزمون بإشارات المرور، بل وقد لا يعرفون الفرق بين الأصفر والأحمر! ولذلك، فإن تغيير شكل الشوارع والحواري أمر مهم لمحاصرتهم. ونعني بذلك، اتخاذ إجراءات واضحة ومقننة لمنع تغلغلهم. وأهم ما يمكن اتخاذه في هذا الشأن منع وصولهم أو وصول "أشياعهم" إلى التعليم أو الإعلام أو المال أو الجيش! نحن نؤمن بأن هنالك فرقاً كبيراً بين التدين و"التأرهب" ولا يجوز أن تترك الأمور دون رقابة. كما أن "حسن النية" يجب ألا يكون مبرراً أو وسيلة لغض الطرف، أو تجاهل مدى قوة وضرر الحركات الإرهابية في الإساءة للنظام والمجتمع. وأخيراً، فإنه كلما اشتدت قبضة الأمن، وزادت مظاهره، قد يزداد الخوف لدى العامة من توقع الأسوأ، وعدم الثقة في الحالة الأمنية، على عكس ما يتوقعه كثيرون! ونرى أن إطاراً شاملا لمعالجة قضية الإرهاب سيكون أفضل من الحلول الجزئية أو "ضربات" رد الفعل، التي لا تكون ناجعة في كل الأحوال.