على رغم الأزمات الاقتصادية والكوارث الطبيعية التي أضرت بالاقتصاد العالمي، إلا أن الإنفاق على تطوير الأسلحة النووية وسباق التسلح النووي ألحق ضرراً بالغاً باقتصادات بلدان العالم يفوق تلك الأضرار التي أصابته من جراء الأزمات والكوارث. ويبدو أن زعماء البلدان النووية أدركوا ذلك مؤخراً تحت ضغوط الأزمة المالية العالمية، حيث قدم الرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء ترؤسه لمجلس الأمن في شهر سبتمبر الماضي مشروع قرار أميركي يدعو إلى حظر انتشار الأسلحة النووية، على اعتبار أن الحرب النووية لا يمكن خوضها أو كسبها، ولذلك ينبغي استبعادها على حد قول أوباما، كما اقترح الرئيس الأميركي في وقت سابق التخلص من الأسلحة النووية بصورة تدريجية. وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الحكمة من إنفاق مئات المليارات سنوياً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى الآن على إنتاج أسلحة فتاكة لا يمكن استخدامها ويجب استبعادها، في الوقت الذي عانت فيه مناطق كثيرة في العالم ولا زالت تعاني من الجوع والمرض والتخلف ونقص مستلزمات الحياة الضرورية. لقد اكتشف العالم المتقدم هذه الحقيقة بعد أكثر من ستين عاماً ضاع فيها الكثير من الأموال والجهود والخبرات التي كان يمكن تكريسها للتقدم العلمي والاقتصادي، إلا أن العالم النامي لا يريد أن يتعلم من هذه التجربة القاسية، التي كلفت البشرية الكثير، ففي الوقت الذي تسعى فيه البلدان المتقدمة للتخلص من أسلحتها النووية، تسعى العديد من البلدان النامية لدخول النادي النووي المدمر، متجاهلة ما تعانيه اقتصاداتها من نقص شديد في الموارد والخدمات وما تعانيه مجتمعاتها من مشاكل، تأتي البطالة في مقدمتها. هل يحتاج الأمر لستين عاماً أخرى، لتأتي البلدان النامية في عام 2070 لتقول ما قاله أوباما في الشهر الماضي من أن الأسلحة النووية لا يمكن استخدامها، ولذلك ينبغي استبعادها، ولكن بعد أن تكون قد أضاعت فرصاً تنموية لا تعوض. من الواضح أن البلدان المتقدمة عاقدة العزم على التخلص من أسلحتها النووية بصورة تدريجية، وسيساعد ذلك على الإسراع في معدلات النمو وتحسين مستويات المعيشة والتقليل من معدلات البطالة، كما أن مثل هذا التوجه سيؤدي إلى التركيز على الأبحاث العلمية، بما فيها الطبية للتوصل إلى علاجات للأمراض المستعصية. ولكن ماذا بشأن مساعدة البلدان الفقيرة التي تضررت كثيراً من جراء توجيه الموارد لإنتاج الأسلحة النووية في العقود الماضية؟ وخصوصاً أن هذه الأسلحة بدأ إنتاجها وتطويرها في فترة الهيمنة الغربية على الموارد الطبيعية للبلدان النامية. من المعروف جيداً أن التخلص من الأسلحة النووية مكلف جداً، مثلما هو مكلف إنتاجها وصيانتها، وكذلك التخلص منها، إلا أن ذلك لا يعني عدم النظر في إمكانية تخصيص جزء من الموارد المخصصة لإنتاج الأسلحة النووية لمساعدة بلدان العالم النامي التي بدأت في تصدير مشاكلها للبلدان الأخرى بشتى الطرق والوسائل. وإذا ما أخذنا ميزانية وزارة الدفاع الأميركية وحدها، فإنها تتجاوز في المتوسط 500 مليار دولار سنوياً، تستهلك ميزانية إنتاج وصيانة الأسلحة النووية جزءاً كبيراً منها، وإذا ما افترضنا، مجرد افتراض، أن حصة هذه الأسلحة تبلغ نصف ميزانية الدفاع، فإن تخصيص 5 في المئة فقط سيعني توجيه أكثر من 12 مليار دولار سنوياً لتنمية البلدان الفقيرة. أما إذا ما احتسب ذلك على مستوى العالم، فإن هذا المبلغ سيرتفع ليساهم مساهمة فعالة في مساعدة البلدان النامية على تجاوز الكثير من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والقضاء على الجوع والأمراض والأوبئة التي تعصف بها في الوقت الحاضر نتيجة لنقص الخدمات الطبية والعلاجية والتعليمية. وفي الوقت نفسه، فإن الحكمة تتطلب من البلدان النووية الجديدة أو التي تعتزم دخول النادي النووي أن تستفيد من تجربة البلدان المتقدمة وتحافظ على مواردها وتسخرها لخدمة تطورها وتنمية مجتمعاتها وتلبية متطلباتها في القرن الحادي والعشرين الذي يتميز بانفتاح الأسواق وشدة المنافسة. إن مبادرة الرئيس أوباما الذي منح باستحقاق جائزة نوبل للسلام تفتح آفاقاً جديدة لكافة بلدان العالم للاستفادة من التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية التي يبدو أنها تحاول استيعاب التغيرات التي طرأت على العلاقات الدولية الجديدة، وانتهاء عالم القطب الواحد الذي ساد خلال العقدين الماضيين. د. محمد العسومي